ما بين السكوت و الوجع - الهروب بالصمت - بقلم نور طه - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: ما بين السكوت و الوجع
المؤلف / الكاتب: نور طه
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الهروب بالصمت

الهروب بالصمت

الفصل الثالث: الهروب بالصمت لم أكن أختار الصمت دائماً رغبةً فيه، لكنني كنت أختار ألا أتكلم أكثر مما يجب. في البداية، كنت أحاول جاهدة أن أشرح، أن أقول ما أشعر به، وأن أبحث عن تفسير منطقي لما يدور بداخلي، لكنني بدأت أفهم شيئاً فشيئاً أن الكلام لا يغير من الواقع شيئاً. أحياناً كنت أتكلم، فلا يصل صوتي إلى أحد، وأحياناً أخرى كنت أشعر أن وجودي نفسه لا يُلاحظ بالشكل الكافي. عندها، بدأ الصمت يأخذ مكان الكلام؛ ليس كراحة أو طمأنينة، بل كأداة وحيدة للنجاة. كنت أراقب العالم من حولي، وأتعلم كيف أكون أقل انكشافاً أمام الآخرين؛ فكنت أظن أن خطة "أقل كلاماً يعني أقل جرحاً" هي الحماية المثالية. في الخارج، كنت أبدو فتاة هادئة تماماً؛ أجيب عندما يسألني أحد، أبتسم في المواقف التي تستدعي الابتسام، وأكمل يومي بشكل طبيعي وعادي جداً. لكن في الداخل، كان هناك عالم كامل صاخب لا يراه أحد؛ أفكار متلاطمة، مشاعر متراكمة، وأسئلة وجودية لا تنتهي. كل شيء كنت أكتمه، كان يجد طريقه ليترسب في أعماقي بدلاً من أن يخرج ويتلاشى. ومع الوقت، لم يعد الصمت اختياراً واعياً أتحكم به، بل تحول إلى عادة متأصلة... أصبح جزءاً لا يتجزأ مني. كنت أعود إلى غرفتي في نهاية اليوم وكأنني أعود إلى نفسي الحقيقية العارية من الأقنعة. هناك فقط، كنت أسمح لنفسي أن أشعر وأبكي. لا أحد يراك وأنت صامت، لكن لا أحد يعرف كم يكلفك هذا الصمت من طاقة وروح. كنت أكتب أحياناً، أو أرسم دون هدف واضح، فقط لأخرج شيئاً من داخلي لا أستطيع صياغته في كلمات؛ رسومات بسيطة، لكنها كانت تشبه حقيقتي أكثر مما أظهره للعالم. ومع كل يوم يمر، كنت أتعلم درساً قاسياً لم أختره: أن الصمت قد يكون درعاً للحماية، لكنه أيضاً عبء ثقيل وطويل لا يراه أحد.