الفصل الثالث : ليلة الطلاسم
مرت الأسابيع وثقل الهواء داخل القصر، وأصبح الجفاء هو اللغة الوحيدة بين جون ووالده الذي بدا كجثة تتحرك، مسلوب الروح والإرادة تحت ظلال زوجته الجديدة. لكن نقطة التحول المرعبة حدثت في منتصف ليلة شتوية شديدة السواد، حيث غاب ضوء القمر وتواطأ الصمت مع الظلام.
استيقظ جون فجأة دون سبب واضح، فشعر بقشعريرة باردة تنهش جسده. ساد هدوء مريب، لكنه لم يدم طويلاً، إذ اخترقت ذلك السكون دمدمة خافتة آتية من نهاية الرواق الطويل للقصر. كانت نبرة الصوت غريبة جداً، صوت خشن، مرعب، ويشبه فحيح الأفاعي، تتلو كلمات متداخلة وطلاسم سحرية بلسان ثقيل يبعث على النفور. اشتعل الفضول والخوف في قلب جون، فنهض من سريره بخطوات حذرة، عاري القدمين لكي لا يصدر أي صوت.
تتبع جون النبرة الكريهة التي كانت تزداد وضوحاً وحدة كلما اقترب. قادته خطاه الخائفة و الحذرة إلى باب خشبي قديم في زاوية معزولة من القصر؛ كانت هذه الغرفة تُستخدم كمخزن مهمل للمقتنيات القديمة قبل مجيء زوجة أبيه، والتي طالبت فور وصولها بأن تكون هذه الغرفة ملكاً خاصاً بها، ولا يحق لأحد الاقتراب منها.
وقف جون خلف الباب، وكان قلبه ينبض بعنف كطبول الحرب. انحنى ببطء وفتح الباب خلسة لمسافة لا تتعدى السنتيمترات، مسترقاً النظر عبر الشق الضيق. جمدت المشاهد الدماء في عروقه؛ لم تكن غرفة عادية، بل تحولت إلى وكر للشياطين! كانت زوايا المخزن تكتظ بتماثيل مشوهة من طين وعظام، وقلائد غريبة تتأرجح في عتمة الغرفة، وصور ورسومات شيطانية مرعبة تغطي الجدران، تبدو وكأن عيونها تتحرك مع ضوء الشموع الضعيفة.
لكن المفاجأة التي أخرست لسانه وبثت الرعب في قلبه، هي أن الغرفة كانت خالية تماماً! لا يوجد فيها أحد، والطلاسم التي كانت تتردد قبل ثوانٍ انقطعت فجأة وبشكل غامض بمجرد وقوفه خلف الباب.
تملكه مزيج من الجنون، والفضول، والرغبة في فهم ما يحدث له ولوالده . دفع الباب ببطء ودخل ليتفقد هذه اللعنة بنفسه. وبمجرد أن وطأت قدمه عتبة المخزن، حدث أمر غير طبيعي؛ شعر وكأن الجاذبية تضاعفت مئة مرة، وتحول الهواء حوله إلى رصاص ثقيل يضغط على صدره. تقطعت أنفاسه، وانسحبت الطاقة من أطرافه، وبدأت الجدران تدور من حوله بعنف إثر دوار مفاجئ وحاد أفقده توازنه، ليتهاوى ساقطاً على الأرض الباردة دون القدرة على الحراك أو الصراخ.