الفصل الثاني : الفقد والظل الجديد
خيم الصمت المطبق على أرجاء القصر بعد رحيل الأم، الصمت الذي يسبق العواصف العاتية. تحول ذلك البيت الدافئ إلى ما يشبه الضريح البارد. في تلك الأيام المظلمة، كان "جون" يعتصر حزناً على خسارته، لكن فزعه الأكبر كان ينبع من مراقبة والده. "كليزر"، ذلك الرجل الصارم ذو المنصب الرفيع والنفوذ الذي يهابه الجميع، انهار كلياً. اعتزل الناس، وأهمل أعماله، وبات يقضي ليله نادباً حظه بين جدران مكتبه المظلم، يتحدث إلى الفراغ ويناجي طيف زوجته الراحلة. لقد قاده اليأس القاتل إلى حافة الجنون، حتى وسوس له عقله المريض بفكرة ملعونة وهي : طرق أبواب العالم الآخر، واستحضار روح حبيبته ليسمع صوتها ولو لمرة أخيرة.
قادته خطاه اليائسة، مستغلاً ثراءه الفاحش ونفوذه، ليتتبع شائعات تهمس بها الألسن في الأزقة المظلمة عن امرأة تمتلك مفاتيح عالم الأرواح. في ليلة غاب قمرها، التقى بها. لم تكن مجرد عرافة، بل كانت شيطاناً في هيئة بشرية. كانت تجلس في عتمة وكرها، متشحة بالسواد الكامل؛ قماش داكن، سميك وغريب يكسو جسدها من قمة رأسها حتى أخمص قدميها، لا يظهر منها إنش واحد، بل إنه يكسو وجهها بالكامل كقناع أعمى لا ثقوب فيه للعينين.
استقبلته بنبرة فحيح حاد، ومن خلال تبحرها في طلاسمها، علمت على الفور بهوية هذا الرجل؛ عرفت أنه كليزر، صاحب النفوذ والسلطة والثروة التي لا تأكلها النيران. في تلك اللحظة، ولد الجشع في قلبها الأسود، وقررت ألا تكتفي بأخذ بضعة عملات منه، بل أرادت التهام كل ما يملك. تظاهرت ببدء طقوس استحضار الروح، لكنها بدلاً من ذلك، كانت تنفث في الهواء طلاسم سحر أسود شديد العقد، سحر يربط الإرادة ويسلب العقول. نفثت سمومها نحو كليزر، الذي كان مستسلماً ومكسور الرأس، فاخترق السحر مسامات جسده، وسلب لبه، ليرى فيها فجأة بديلة لزوجته الراحلة. وقع في حبها الأعمى وهو مسلوب الإرادة، بعد أسبوع أو أسبوعين، يعود كليزر من سفره المزعوم ومعه هذه الزوجة الجديدة.
وحين دخلت القصر كعروس جديدة، كشفت عن وجهها أمام "جون" المذهول وهي مبتسمه كانت إمرأة عادية وطبيعية الملامح تماماً، لا شيء غريب فيها يثير الريبة. لكن جون اشتعلت في صدره نيران الغضب والاستنكار العارم غاب والده ليداوي حزنه، فعاد متزوجاً وناسياً لأمه!؛ كيف لوالده، الذي كان يدعي الحب الجارف لأمه، أن ينسى ذكراها بهذه السرعة؟ كيف يتزوج بامرأة أخرى وأمه لم يمر على وفاتها سوى فترة قصيرة جداً؟ اعتبر جون هذا الزواج إهانة لذكرى والدته الراحلة وخيانة لكل سنوات الحب. عزل جون نفسه في غرفته رافضاً التعامل مع هذه الدخيلة، ولم يكن يدور في خلد الفتى أبداً أن هذه المرأة الطبيعية في ظاهرها، ليست سوى تلك العرافة المتشحة بالسواد، وأن وجهها الحقيقي يحمل سرّاً مرعباً سينكشف قريباً في عتمة الليل.