بين الحب والكراهية 8
كانت الفرحة غامرة في كلا البيتين ، لكن في بيت أبوعبدالله الشخص المعني نفسه ليس سعيدا ، كان متوترا بشدة وخائف حقا أن تقبل نرجس ، كان بمكتبه يجلس شاردا حتى دخل زاهر عليه أجفل عبدالله لأنه دخل فجأة ،عبدالله :" ياخي فوت على مهلك ..المرة الجاية يمكن تجيني ذبحة وأروح فيها "
زاهر وقد أشفق على صديقه ولكن لم يبدي ذلك :" ياخي لا تروح فيها ولا تجي ...المهم قولي الصراحة كنت سرحان في حبيبة قلبك هاه..لاتخاف بتقبل إن شالله ". القى عليه عبدالله دفترا كان على المكتب فتناثرت الأوراق بكل مكان وقال :" فال الله ولا فالك ،إنقلع أنت وطقطقتك لابارك الله فعدوك." قال زاهر :" خالي يقول خلهم ينظفوا المخازن علىشان بنجيب مخزون جديد ." عبدالله "إرتاح أنا رح أتصل"
وبقي يعملان وهما لايعلمان أن الاخبار السارة زفت إلى أمه التي كانت تزغرد وتحتفل هي وبناتها بالبيت.
وعندموعد الغداء عاد عبدالله إلى البيت هو وزاهر وما إن لمحته بنات هبة حتى هببن في وجهه ،مرام ورسل ،رسل:" خالو ! يا خالو! رح نعملك عرث ونجيبلك عروث ! مرام :"ياغبية ماما قالت أنا أقوله ليش قلتي له أنتي ؟" تظاهر زاهر أنه لم يسمع رغم الصدمة أما عبدالله لم يستطع إخفاء توتره وأرسل نظرات إستغاثة إلى زاهر ، دخلا البيت بتثاقل فوجدا البنات سعيدات وزوجة سعد وأبناءه أيضا كانوا هناك، وما إن رأته بشرى وزهرة حتى اقبلتا عليه تقبلانه وتهنئانه ، بشرى إبنة هبة الكبرى:" ألف مبروك يا خالي ترى أنا أسعد وحدة اليوم ". زهرة :" لا يا شيخة ؟ إنت من أمس مواصلة وبزور توقفين على رجولك يلا روحي نامي خليني أفرح أنا وخوي ." ثم أقبلت هبة وأمه :" هلا بحبيبي هلا بللي لايق عليه يكون عريس ، قرب يمه احطلك غدا ويا زاهر وبعدين نتفق على زيارتنا لبيت أهل نرجس بكرى ." عبدالله أخرسته الصدمة أما زاهر فقال بتلعثم :" أي زي...ارة وأي نرج..س؟ و...ين رايحين انتم؟ ." هبة :" نرجس هذه رح بتصير حرمة أخوك ، وباكر راح نخطبها رسمي ." عبدالله:" هي موافقة ؟! " أمه وهي تبتسم من رد فعله ظنا منه انه سعيد:" إيوة موافقة ،انا كلمت أمها بالملكة وإتفقنا تسألها وترد خبربسرعة، واليوم... ردت ." مشى إلى غرفته وهو مصدوم أي ورطة هذه تورط بها ، أم عبدالله :" إيش فيه أخوك يا زاهر ؟" زاهر بتلعثم :" ولا شي ..تعبا...ن بس ...شوي وأرجع" دخل زاهر الغرفة خلف عبدالله ووجده جالس بلا حركة ، زاهر :" والله يا أخوي ما كنت أدري إنه رح يصير كذا ، والله ما كنت أعرف ...إذا ودك أروح يم خالتي وأقولها أنو الفكرة فكرتي من أول." عبدالله :"، وأنت مالك دخل ، هذا حظي وأنا عارفه ....... أوووف وبعدين في الورطة هذي، وش أسوي معاها هذي؟ ."فكر زاهر قليلا ثم بدت له فكرة أخرى ، زاهر :"قوم نكلمها ." عبدالله بإستخفاف :" نكلمها فشنو في المهر والشبكة ؟! والله أفكارك هذي هي اللي بتسود عيشتي ،لاأ وأنا أسايرك مدري ليه؟" زاهر :" إسمعني بس، لبنية ممرضة بالمستشفى، ندق عليها ونقولها ترفض ....، يعني نقولها كل القصة أنو أنت مغصوب وكذا ، ونخليها هي ترفضك ." عبدالله يمسح على وجهه :" زاهر طلعني من الموضوع الله يخليك أنا ما أبي أتزوج..." زاهر :" حقك علي ياخوي أنا ورطك ،والله ما كان قصدي إلا إني أخلصك من زن خالتي الله يطول بعمرها، بس ....هاذ اللي صار !." عبدالله :" والحل وش أسوي أنا نبلشت ". زاهر :" مافي غير هذا الحل إتصل عليها بالمستشفى وخليها هي ترفضك .".
بعد أن علمت نرجس بخطبة عبدالله لها فقدت الإحساس بالوقت ، وصارت كقطعة صغيرة جدا من الورق ، تحملها الرياح يمنة ويسرة دون أي مقاومة منها ، سرحانة ومبتسمة كبلهاء فقدت عقلها بالكامل ، ميساء:" ياهو نرجس... نرجس يا أم الزفت أنت".نرجس بذات الإبتسامة الغبية على وجهها:" إنت شايفة القمر ....؟" ميساء :" الحمدالله والشكر البنت نجنت خلاص ما ضل معاها عقل ، هاي نرجس نحن بعز الظهر إنتي وين والقمر وين ؟." نرجس :" ياحرام يا ميساء ما تقدرين تشوفيه ...إنتي وحدة من سكان الأرض المساكين ،ماتقدرون تشوفون القمر .ولا كنتي نجنيتي إنت بعد " ميساء :" لا ياوخيتي ههه قلبتي كائن فضائي،وبعدين الله يستر علي إذا أنا كذا ناقصني عقل ،زين شلون لو أشوف القمر حقتك هذا ،أنخبل لاقدر الله ."نرجس :" إيه والله أنك صادقة ".دخلت إحدى الممرضات عليها وقالت:" فيه إتصال علشانك يا نرجس ". نرجس :" علشاني أنا !؟ منو.؟" الممرضة:
" ما أعرف... واحد يقول أنه عبدالله خطيبك "
نرجس تجمدت أحست بأنها فقدت القدرة على النطق والحركة حتى أن وجهها تحول إلى لون أحمر كالدماء
وزدادت وتيرة تنفسها حتى كاد يغمى عليها ...
في الجانب الآخر وبعد إلحاح شديد من زاهر عليه أن يكلمها ويطلب منها أن تقوم هي برفضه ،وافق عبدالله ،كان يضع السماعة على أذنه وزاهر يضع أذنه أيضا على جانب الهاتف ليستمع معه، ولكن عبدالله يدفعه يبتعد قليلا ثم ويعود ويضع أذنه على السماعة، أنتظرا طويلا حتى كادا يفقدا الأمل قال عبدالله :" مافي رد ". وهم بإغلاق السماعة ، عندما سمع صوتا ناعما يقول عبر الجانب الآخر :
" ألو ...... ألوو. !؟ " نظرا إلى بعض ورفع عبدالله السماعة وقال :" هلا ...لو سمحتي ...نرجس معاي..." كانت نرجس سعيدة بشدة حتى أن ميساء هي من شجعتها على تمالك نفسها ومكالمته :" نعم ....." المسكينة ظنت أنه مشتاق مثلها ، متعطش لسماع صوتها لم يستطع أن ينتظر ليصبح الأمر رسمي لكن .....
عبدالله:" أنا أريد .... أقلك بس ..." وعيونه على زاهر الذي كان يلقنه الكلام ، " إسمعي يا بنت الحلال أنا.... أبغى بس...تكفين ...." . لكنه تشجع وقال في النهاية
:" يابنت الحلال أبغى بس أقلك كلمتين ، تكفين سامحيني ، ولا تواخذيني ، بس أنا ما أريد أتزوج وأمي ألله يهديها كل شوية تخطبلي وحدة شكل ، أنا ودي منك خدمة وحدة .....تدقين على أمي وتقولين لها أنك ماتريديني ، الله يخليك أنا ماأريد أتزوج ."
في هذه اللحظة ضاقت الدنيا بوسعها في عيون نرجس ما كان اجمل حلم تحول إلى أبشع كابوس في دقيقة ، سقط الهاتف من يدها ، ترنحت وقدماها تقودانها لا شعوريا إلى غرفة الممرضات ، ميساء كانت معها وهي من أنهت المكالمة لحقتها إلى غرفة الممرضات وهناك بدأت تتغير لغة جسدها ، كانت مضطربة وترتجف، عيونها تسيل دمعا رغم أنها لاتبكي قالت ميساء بخوف :" شنو قالك قلب حالتك كذا ؟" إكتفت نرجس بجملةواحدة :"أطلبيلي إجازة مرضية "
عندما أنهى عبدالله الإتصال كان متأكدا أن نرجس سترفضه كما طلب ، وهذا وإن أراحه إلا أنه كان متألما ، زاهر :" قالت شي.؟" عبدالله :" لا ..قفلت بس." زاهر :" زين نقول خلصنا منها ؟!" نظر إليه عبدالله بصمت وعيناه تقول أغرب عن وجهي ، زاهر :" إيه خلصنا منها" .
عادت نرجس المسكينة إلى البيت وهي في حالة يرثى لها ، رأتها أمها فقالت :" يمه ليش رجعتي ؟ لتكوني رجعتي تعبتي ؟" نرجس :" إيه ....والله تعبانه وايد يا يمه ." أم جزيل :" سلامتك يمه ، جبلك شي ؟، أسويلك أعشاب ؟! "ردت وبالكاد تستطيع الكلام ، :" لا، ودي أرتاح شوي وبس مع الوقت بخف"
أمها :"طيب يمه إرتاحي نامي وبس أخلص أمر عليك ."
صعدت إلى غرفتها دخلت وإتجهت مباشرة إلى الدولاب ,وأخرجت صندوقها الغالي ،سحبت المفتاح من عنقها وفتحته أخرجت الكتاب ورمت الصندوق ارضا ، نظرت بضع دقائق للكتاب وهي تتذكر الذكرى الأخيرة عن عبدالله ، رفعته عالية وهي تنوي أن ترميه بعيدا ليتمزق أشلاء، لكنها إنهارت بالبكاء وإحتضنته بقوة وهي تنوي إدخاله داخل أضلاعها ، بكت لفترة طويلة ثم نامت والكتاب بحضنها .
وجاء اليوم الموعود كانت نرجس فقط صامتة ،لم تكلم أحد منذ عودتها من المشفى فهم الجميع أنها مريضة وذلك بسبب كذبتها ذلك اليوم ،وهي لم تملك شجاعة لتخبر أحدا عم حدث معها ، وعبدالله ينتظر إتصالها بأمه وإعلامها أنها ترفضه ،وها قد جاءت اللحضة المنتظرة جاءت أمه ...لكنها طلبت منه الذهاب معهم لرؤيته الشرعية، وحاول التملص لكن لا فائدة فقرر الذهاب ليفهم لم لم تفعل ماطلبه .
الكل كان سعيدا وفرحا عدا نرجس التي كلما حاول أحدهم التحدث معها أشارت إلى حلقها ، فضن الجميع أنها مريضة حقا لكن هي في الحقيقة لم تكن تريد أن تفتح فمها كي لا تخرج منه حمما لأن ما فعله عبدالله أحرقها من الداخل ، تعرفت عليها البنات وحماتها وكن لطيفات للغاية وجاءت لحضة الحسم ، لقاء الحبيب ، كانت بغرفتها ، ويفترض أن يحضروه إليها ليرى كل منهما الآخر، ولكن لاأحد كان راغبا في رؤية وجه الثاني،دخل عليهاوالقى السلام لم ترد وكانت جالسة بهدوء رغم أن ما بداخلها غير ذلك ، سلم وجلس بقربها ولم يكن يرى إلا جزءا من فستانها
جزيل :" أنا بروح أجيب شاي وقهوى ...وأشوف إذا أبوي يبيني بشي وراجع لكم ,هاه؟ ." وغمز لأخته
إبتسمت رغم كل الألم لأخيها الذي كان يجهل ما يحدث
تشجع عبدالله وقال :" أنا عارف أني غلطان في حقك يا بنت الناس بس ..زي ماقلتلك بالتليفون هذاك اليوم والله ماهو بيدي ...أمي الله يهداها مابغت تحل عني وكل يوم......." قاطعته نرجس بحزم وغضب
": أنا مالي دخل بضروفك ، ترى وانا بعد مغصوبة أنا إذا مالك علم رفضت يجي خمسين أو ستين رجال وكنت راح أرفضك إنت بعد ، بس أهلي الله يصلحهم كل شوية يزنون علي, وخلوني أوعدهم آخر مرة إذا جاني عريس جديد أوافق، أجل إنت تصرف أنا مالي دخل."
عبدالله :" فاهمك فاهمك بس ...:"
نرجس :" لاتقعد تبسبس يا ولد الحلال انا ما بيدي شي ،ولا أريد أزعل أهلي مني إنت تصرف ."
عبدالله :" أتصرف كيف يعني ...قولتك لو في حل ماكنت سويته ؟! (وإلى هنا كان كل منهما ينظر بإتجاه معاكس للآخر ولم يريا بعض أبدا)
نرجس :" إنت الرجال وش أقلك يعني ..خليني اقط روحي بالنار علشان حضرتك." عبدالله ولم يعد يعجبه كلامها ، :" أنا ماقلت كذا عالأقل حاولي ."
نرجس :"لاأ هذي مشكلتك مش مشكلتي إنت رافض الزواج مو أنا، إنت تصرف أنا مالي دخل" وهنا وقف عبدالله وصار ينظر إليها مباشرة ،نظرت إليه ووقفت هي الأخرى وصارا وجها لوجه،عبدالله :" يكون بعلمك إذا هذا الزواج تم ما راح يصير خير ، فهمتي." أجابت نرجس بإستخفاف : " لا ونت الصادق إن شاء الله عمره ماصار ". فقال عبدالله بحزم :" مفكرتني أمزح.. راح تشوفي شيئ مايعجبك " نرجس:" والله وإيدك وما تعطي، بنشوف يامحترم." وهنا هم عبدالله بالمغادرة عندما دخل جزيل ، طلب منه عبدالله المغادرة ، وقبل أن
يخرج نظر إلى نرجس نظرة جانبية تنذر بالشر،وإصطحبه الآخر بود وهو جاهل لما كان يحدث داخل هذه الغرفة المقفلة.