الفصــــــل السادس والأخـــير
••𝓣𝓱𝓮 𝔀𝓻𝓲𝓽𝓮𝓻 𝓐𝓻𝓲𝓭𝓳••
꧁꧂
꧁꧂
꧁꧂
استيقظ جاك على وجهٍ يعرفه قلبه أكثر مما تعرفه عيناه...وجه المرأة التي أحبها حتى صار اسمها يسكن أنفاسه.
كانت إليز نائمة بهدوء إلى جواره، وخصلات شعرها البنية مبعثرة فوق الوسادة البيضاء . تأمل ملامحها طويلًا، وكأنه يخشى أن يوقظه القدر من هذا الحلم الجميل في أية لحظة.
مد يده ببطء، وأزاح خصلة شعرٍ انسدلت فوق وجهها برقةٍ بالغة.فتحت عينيها ببطء، والتقت نظراتها بنظراته، ثم ابتسمت ابتسامة ناعمة وهمست بصوتٍ مبحوح من أثر النوم/أكنت تراقبني؟
ابتسم جاك، وكانت عيناه مليئتين بذلك العشق الهادئ الذي لا يحتاج إلى كلمات، ثم قال بخفة/ربما.
مال نحوها ببطء وطبع قبلة دافئة فوق شفتيها.
أغمضت إليز عينيها للحظة وهي تبتسم، ثم نهضت من الفراش تلف جسدها بملاءةٍ بيضاء ناعمة، واتجهت نحو الحمام بخطواتٍ هادئة.
ظل جاك يتابعها بعينيه حتى اختفت خلف الباب.
وبعد دقائق، خرجت من الحمام مرتدية ثوبًا زهريًا رقيقًا بأكمامٍ بيضاء واسعة، وعنقٍ مطرز بالدانتيل الأبيض الناعم.كان شعرها لا يزال منسدلًا فوق كتفيها، رطبًا قليلًا، فتبدو وكأنها خرجت لتوها من لوحةٍ مرسومة بعناية.
نهض جاك من الفراش وهو يتأملها بصمت، يتتبع تفاصيلها بعشقٍ ظاهر، ثم ارتدى ملابسه واتجه نحوها.
وقف خلفها مباشرة ودفن وجهه بين خصلات شعرها، واستنشق عبيرها بعمق، ثم طبع قبلة هادئة فوق عنقها.
ارتجف جسدها بخفة، بينما ابتسم هو وقال/لدي شيءٌ لكِ.
التفتت إليه باهتمامٍ طفولي وسألته/وما هو هذا الشيء؟
ابتسم جاك بمكرٍ خفيف وقال/أغمضي عينيكِ وستعرفين.
أغمضت عينيها، بينما أخرج من حقيبته قلادة صغيرة.
كانت تحمل جوهرة لامعة بنية مستديرة، تحيط بها دائرة ذهبية دقيقة، ومعلقة بسلسالٍ ذهبي رقيق.
اقترب منها وألبسها إياها برفق.ثم همس/يمكنكِ فتح عينيك الآن.
فتحت إليز عينيها، وما إن رأت القلادة حتى اتسعت ابتسامتها بدهشةٍ صادقة.
رفعت يدها تتحسس الجوهرة وقالت بإعجاب/إنها جميلة...
ثم التفتت نحوه وأضافت بابتسامةٍ مرحة/شكرًا أيها السيد المحترم.
ضحك جاك بخفة، ثم قال وهو يتأمل عينيها/ألا ترين أن هذه الجوهرة تشبه شيئًا ما؟
عقدت حاجبيها بتساؤل/وما هو؟
اقترب قليلًا وهمس بصوتٍ دافئ/لا تهتمي...فهي لا تساوي جمال هاتين العينين.
ضحكت إليز بخجل، ثم أمسكت بيده وغادرا الغرفة معًا نحو سطح السفينة.
كانت نسمات البحر تعبث بخصلات شعرها، بينما كانت الأمواج الممتدة بلا نهاية شاهدةً على حب هذين العاشقين اللذين ظنا أن العالم أخيرًا قد أنصفهما.
وبعد ساعات طويلة من الإبحار...وصلت السفينة إلى هولندا.كان شقيقا جاك بانتظاره عند الميناء؛ شقيقته أوليفيا، وتوأمها أدريان.
مرّ شهرٌ كامل.شهرٌ بدا وكأنه الحلم الوحيد الجميل وسط حياةٍ مليئة بالفوضى.كانت أيامهما مغمورة بالسعادة.ضحكات إليز ملأت المنزل دفئًا، حتى إن الجميع أحبها سريعًا؛ فمن يرى طيبة قلبها، وخفة روحها، لا يستطيع إلا أن يتعلق بها.تزوجت هي وجاك أخيرًا.وعاشا ذلك الشهر بعيدًا عن الضوضاء، بعيدًا عن القيود، وبعيدًا عن كل ما حاول أن يسرق سعادتهما.
لكن...
يبدو أن قصص الحب العظيمة لا تُمنح دائمًا نهاياتٍ رحيمة.
كانت المدن الأوروبية تغرق في اضطراباتٍ وحروب، هجماتٍ تشتعل هنا، وردودٍ دامية هناك، والعالم بأكمله بدا وكأنه يسير نحو الهاوية.
وفي ذلك اليوم...استيقظ جاك مبكرًا كعادته، واستعد للذهاب إلى عيادته.ودعته إليز عند الباب، وطلبت منه أن يكون حذرًا.ثم اصطحبت شقيقيه إلى المدرسة.
كان كل شيء يبدو طبيعيًا...حتى مرّت ساعة واحدة فقط.
وفجأة، انتشر الذعر في أرجاء المدينة.أصوات الصراخ تعالت في كل مكان، والناس يركضون مذعورين في الشوارع.
خرجت إليز من المنزل بسرعة، تحاول فهم ما يحدث.
اقتربت منها امرأةٌ عجوز كانت تضم حفيدها المرتجف، وقالت بذعر/إنها غارات...علينا إخلاء المكان فورًا!
شحب وجه إليز بالكامل.شعرت برعبٍ يجتاح أوصالها دفعة واحدة.ولم يخطر في بالها سوى اسمٍ واحد...جاك.
خرجت راكضة بأقصى سرعتها نحو عيادته.لكن قبل أن تصل...
بدأت نيران الجحيم تتطاير...دوّت الانفجارات في كل مكان.منازل تنهار، ألسنة النار ترتفع، وصوت القنابل يمزق السماء بعنفٍ مرعب.
بدت المدينة وكأنها تتحول إلى رماد أمام عينيها.
كانت تركض وسط الدخان والخراب، والخوف ينهش قلبها بجنون.الأشلاء متناثرة، الصرخات تمزق الأرواح، ورائحة الموت تملأ الهواء.
انهمرت دموعها وهي تركض بلا توقف، فقط خوفًا من أن يصيب جاك مكروه.
أما جاك...فقد غادر عيادته بعد أن عمّت الفوضى المكان، محاولًا العودة إلى المنزل.لكن منظر المصابين الذين كانوا يصرخون طلبًا للمساعدة أوقفه.
نسي خوفه للحظة، وراح يعالج الجرحى بيدين مرتجفتين، يحاول إنقاذ أكبر عددٍ ممكن.
لكن بعد وصول طبيبٍ آخر، اندفع راكضًا نحو منزله.
وما إن وصل...حتى تجمد مكانه.
كان المنزل...كومةً من الحطام المشتعل.
اتسعت عيناه بصدمة، وتمتم بصوتٍ مختنق/لا...لا...هذا مستحيل...
اندفع نحو الرماد بجنون، يبحث بين الأنقاض، ينادي أسماءهم بصوتٍ مبحوح.
لكن لم يكن هناك شيء،لا صوت ولا أثر.
سقط على ركبتيه وسط الدخان، وشعر أن العالم بأكمله انهار فوق صدره.
هل انتهى كل شيء؟
هل ماتت؟
هل رحلت هي وإخوته؟
كيف له أن يكمل حياته بدونهم؟
وفي الجهة الأخرى...
وصلت إليز أخيرًا إلى عيادة جاك.
لكنها وجدتها قد تحولت إلى كومة رمادٍ هي الأخرى.
توقفت أنفاسها ثم بدأت تصرخ باسمه بجنون، تركض بين الدخان والدمار تبحث عنه.
سألت الجميع عنه، بحثت في كل زاوية، لكن أحدًا لم يره.
ومع مرور الساعات...خفتت الأصوات.وساد صمتٌ ثقيل فوق المدينة المدمرة.لكن إليز لم تتوقف عن مناداته.حتى جاءت الفرق الطبية، وأخلت المكان، وبدأت بنقل المصابين إلى المستشفيات.
كان كلٌّ منهما يبحث عن الآخر.يسألان بين الجثث، وبين المصابين، وبين قوائم الناجين...
لكن بلا جدوى.ولم يشأ القدر أن يمنحهما حتى خيطًا صغيرًا يقودهما لبعضهما.
هي ظنت أنه صار رمادًا...وهو ظن الأمر ذاته.
وضع جاك لها قبرًا فارغًا،كما وضعت هي له قبرًا آخر.
لكن إليز لم تمكث طويلًا في تلك المدينة.غادرت.
لا تعلم إلى أين.كل ما كانت تعرفه أنها لم تعد قادرة على البقاء في مكانٍ يصرخ باسم ذكرياتها معه.
أما جاك...فظل يبحث عنها أربعة أشهر كاملة دون انقطاع.عثر على شقيقيه بين المصابين...لكنه لم يعثر على إليز أبدًا.
وبعد أربعةٍ وثمانين عامًا...
كان جاك العجوز يجلس فوق كرسيه الخشبي قرب النافذة، يتأمل اللاشيء بعينين أنهكهما العمر والانتظار.سمع صوت أطفالٍ يقتربون، فعرف أن أوليفيا وأطفالها قد جاءوا لزيارته.
اقتربت منه فتاة في الثامنة عشرة من عمرها، وعانقته بحب، ثم جلست أمامه مبتسمة وقالت/أيها الخال جاك...لدي سؤال.
ابتسم لها برفق وقال/اسألي ما تشائين يا عزيزتي.
قالت الفتاة بفضول/لماذا لم تتزوج قط؟
ثم أضافت/ومن هي إليز التي سميتني باسمها؟
ساد الصمت للحظة.
{ياما ياما عشاق نسيوا الأشواق
ضاعوا وصاروا بهالعمر وراق
ياما كنا نقول عاشقين على طول
لا لا مش معقول تقدر يا فراق
تاري المكتوب يا هوى مكتوب
و لا تتعب يوم يا قلوب}
ثم ارتسمت فوق شفتيه ابتسامة هادئة، بينما اتجهت عيناه نحو الأفق البعيد.
وقال بصوتٍ خافت، وكأنه يحدث روحه/كانت امرأة فاتنة طيبة القلب نقية الروح
ثم تنهد وأكمل/كانت أول من أحبها جاك...وآخر من أحبها.
سألته الفتاة /وأين هي الآن؟
أغمض عينيه للحظة، ثم قال بابتسامةٍ حزينة/في مكانٍ بعيد.
استغربت الفتاة إجابته، لكنها نهضت عندما سمعت والدتها تناديها، فأخبرته بأنها ستعود لاحقًا.
ابتسم جاك وهو يتأمل السماء وكأنه يرى ملامح حبيبته بين الغيوم.
ثم همس بصوتٍ مرتجف/سآتي إليكِ...لن تبقي وحدكِ بعد الآن ياحبيبتي...
وأغمض عينيه بسلام.
وأخيرًا...نام جاك.
لكن هذه المرة، لم يكن نومًا عابرًا.بل كان نومًا أبديًا، حمله إلى عشقٍ انتظره عمرًا كاملًا.أملًا أن يلتقي بمن أحبها من جديد.
وبعد أن أنهت الجدة رواية القصة، تلك القصة التي ظن الجميع أن نهايتها كانت بموت جاك في الغارات...
أمسكت بتلك القلادة القديمة...القلادة ذات الجوهرة البنية.حدقت فيها طويلًا، وكأن الذكريات تتحرك داخلها.رفعتها نحو شفتيها وطَبعت فوقها قبلة مرتجفة.ثم أغمضت عينيها بهدوءٍ تام...وهمست أخيرًا/أنا قادمة يا جاك.
قصة عشقٍ خُلّدت حقًا...
ربما لم تكن كل النهايات سعيدة.
لكن، على الأقل...
هناك مكانٌ آخر سيلتقي فيه العاشقان من جديد.
••𝓣𝓱𝓮 𝓔𝓷𝓭••