بَحِبِ الدُنْيَا وَ أَنَا وِيَاكْ - الفصــــــل الخامس - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: بَحِبِ الدُنْيَا وَ أَنَا وِيَاكْ
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصــــــل الخامس

الفصــــــل الخامس

••𝓣𝓱𝓮 𝔀𝓻𝓲𝓽𝓮𝓻 𝓐𝓻𝓲𝓭𝓳•• ꧁꧂ ꧁꧂ ꧁꧂ مرّت ثلاثة أيام كاملة منذ تلك الحادثة، ثلاثة أيامٍ بدت لإليز كأنها ثلاثة أعوامٍ من الاختناق البطيء. كان القصر بأكمله غارقًا في التحضيرات لحفل الزفاف؛ الخدم يتحركون في كل زاوية، أصوات الأقمشة الحريرية، رنين الأواني الفضية، وباقات الورود البيضاء التي ملأت الردهات برائحةٍ خانقة بالنسبة لها. أما هي... فكانت تقف وسط غرفتها تقيس ثوب الزفاف الأبيض، كأنها تُجرَّب كفنها بيديها. انسدل القماش الفاخر حول جسدها بانسيابيةٍ مبهرة، وتلألأت التطريزات الفضية تحت ضوء الغرفة، لكن الحزن كان أوضح من أي جمال...كان ساكنًا فوق ملامحها، جالسًا داخل عينيها المنطفئتين. تأملتها والدتها طويلًا بإعجاب، ثم غادرت الغرفة أخيرًا بعد أن أوصت الخادمات ببعض التعديلات الأخيرة. وما إن أُغلق الباب حتى أسرعت إليز تنزع ذلك الثوب بعنفٍ كأنها تختنق داخله. ألقته فوق الكرسي القريب، ثم عادت إلى سريرها ببطء، وضمت ركبتيها إلى صدرها. ها قد انتهى يومٌ آخر...يومٌ لم يأتِ فيه جاك. ولم تستطع هي التسلل لرؤيته. تُرى؟... هل غادر فعلًا دون أن يودعها؟ هل انتهى كل شيء بهذه القسوة؟ ظلت غارقة في أفكارها، تحدق في الفراغ بعينين متعبتين، حتى انتفضت فجأة على صوت طرقاتٍ خافتة على نافذة غرفتها.رفعت رأسها باستغراب. تقدمت نحو النافذة بحذر، لكنها ما إن رأت وجه جاك خلف الزجاج حتى اتسعت عيناها بصدمةٍ وفرحٍ في آنٍ واحد. أسرعت تفتح النافذة، وساعدته على الدخول. وما إن وطئت قدماه الغرفة حتى جذبها نحوه بعناقٍ قوي، كأنه يخشى أن تختفي إن تركها. دفنها بين ذراعيه، بينما تشبثت هي به بقوة، وكأن قلبها وجد أخيرًا مكانه الوحيد الآمن. ابتعدا عن بعضهما قليلًا.وفجأة تذكرت إليز باب غرفتها، فأسرعت إليه وأغلقته بإحكام، ثم عادت نحوه ببطء، تتأمل ملامحه التي اشتاقت إليها حد الألم. رفعت أناملها برقة نحو أثر الكدمة التي بدأت تختفي عن وجهه، وهمست بصوتٍ اختنق بالشوق/جاك... أمسك يدها بلطف، ثم قال مطمئنًا/ليس بالأمر الجلل. وظلا لدقائق طويلة يحدقان في بعضهما. نظرات اختلط فيها الشوق بذلك الحب الذي لم يجرؤ أيٌّ منهما على الاعتراف به حتى الآن. لكن العيون...كانت تفضح كل شيء. تنهد جاك أخيرًا، ثم قال بصوتٍ هادئ يحمل شيئًا من الحزن/إليز...تعلمين أنني سأغادر غدًا على متن السفينة. شعرت وكأن الكلمات سقطت فوق قلبها كحجرٍ ثقيل. وهمست بيأس/هل جئت لتودعني؟ أمسك بكلتا يديها هذه المرة، وكانت عيناه تحملان اعترافًا كاملًا قبل أن تنطق شفتاه به.قال بصوتٍ عميق تملؤه بالمشاعر/بل جئت لأجل شيءٍ آخر. اقترب منها أكثر، ثم أكمل/لقد أحببتك يا إليز...أحببتك بصورةٍ لم أستطع مقاومتها. ابتلع أنفاسه ثم أردف/لم أعد قادرًا على التوقف عن التفكير بك. كانت تنظر إليه بصمت، بينما قلبها يرتجف بعنف داخل صدرها. أما هو، فأكمل بنبرةٍ تملؤها الرجاء/هل تأتين معي؟ توقفت أنفاسها. وقال هو بصوتٍ دافئ/ستبتعدين عن كل ما يؤلمك...عن هذا العالم الذي يخنقك. ثم ابتسم ابتسامة صغيرة وهو يهمس/سنصنع حياتنا وحدنا...أنا وأنتِ. ارتجفت عيناها بالدموع. كم كانت تتمنى أن تركض نحوه وتقول نعم دون تفكير لكنها...كانت ترى نهايتهما قبل أن تبدأ. سحبت يديها ببطء من بين يديه.لن تمنحه أملًا زائفًا. لن تسمح لهذا العاشق أن يبني أحلامه فوق سراب. كانت عيناها تصرخان"أنا أحبك يا جاك" لكن شفتيها خانتا قلبها. قالت بصوتٍ حزين/أنا آسفة...لكنني لن أعطيك أملًا زائفًا. شحب وجه جاك قليلًا. أما هي، فأكملت وهي تشعر أن كل كلمة تمزقها من الداخل/أنا...أنا لا أبادلك هذه المشاعر. ساد الصمت...صمتٌ موجع. كأن شيئًا انكسر داخله في تلك اللحظة. لقد أحبها بصدق.أما الآن، فقد بدا له أن تلك اللحظات، وتلك النظرات، وتلك الضحكات...كانت مشاعره وحده. استدار نحو النافذة بصمت. لكن قبل أن يرحل، التفت إليها مرةً أخيرة. كانت ابتسامته واهنة، مثقلة بحزنٍ حاول عبثًا إخفاءه. وقال/إن غيرتِ رأيك...فتذكري أنني بانتظارك. ثم أضاف بنبرةٍ خافتة/وأنتِ تعلمين أين تجدينني. حتى الآن...لا يزال يتمسك بخيط أملٍ رقيق. غادر الغرفة عبر النافذة. أما إليز، فأسرعت تغلقها، ثم عادت إلى سريرها، وما إن جلست حتى انفجرت بالبكاء. دفنت وجهها بين كفيها وهي تبكي بحرقة. لماذا؟ لماذا لم تخبره بالحقيقة؟ لماذا اختارت الصمت بينما كان قلبها يصرخ باسمه؟ ظلت تبكي طوال الليل، حتى بدأت خيوط الشمس تتسلل عبر النوافذ الزجاجية. اليوم...هو يوم زفافها...لكنّه بدا لها أشبه بيوم حداد. غسلت وجهها بصمت، ثم جلست تنتظر الخادمات اللواتي بدأن بتجهيزها. ارتدت الثوب الأبيض مجددًا، دون أن تهتم حتى إن كان جميلًا أم لا.ما قيمة الجمال حين تكون الروح منهكة؟ صعدت سوزي إليها، وبدأت تصفف شعرها بعناية، لكنها سرعان ما لاحظت ذلك الشرود الثقيل في عيني إليز.ذلك الحزن الذي استقر فوق أهدابها كليلٍ طويل. غادر الجميع الغرفة أخيرًا، وبقيت وحدها. مرت الساعات ببطءٍ قاتل. وها هي الساعة الخامسة مساءً...اقترب موعد الحفل. دخلت والدتها الغرفة، تحمل علبة زرقاء فاخرة. فتحتها أمامها، وأخرجت منها عقدًا من اللؤلؤ الأبيض. وضعت العقد حول عنق ابنتها برقة، ثم نظرت إلى انعكاسها في المرآة وابتسمت قائلة/أنتِ تفعلين الصواب. وغادرت الغرفة. أما إليز...فظلت تحدق في المرآة بصدمة. أي صوابٍ هذا؟ أن تدفن قلبها حيًّا؟ أن تتزوج رجلًا تبغضه بكل ما فيها؟ أن تخون حبها الوحيد فقط لإرضاء الجميع؟ شعرت فجأة أن أنفاسها تضيق. ثم... نهضت دفعةً واحدة. رفعت يديها نحو شعرها، وبدأت تفك تلك التسريحة المعقدة بعصبية.انسدلت خصلات شعرها تباعًا فوق كتفيها، حتى تحرر بالكامل.نزعت الفستان الأبيض وألقته أرضًا بلا رحمة. ثم أسرعت نحو خزانتها وأخرجت أحد فساتينها البسيطة.أحضرت حقيبة جلدية صغيرة، وبدأت تجمع فيها بعض ملابسها ومجوهراتها. لن يستمر هذا الوضع....لن تدفن قلبها بعد الآن. اتجهت نحو النافذة، وتسللت منها كعادتها، مستغلة انشغال الجميع بالحفل في الحديقة الأمامية للقصر. ثم ركضت. ركضت بكل ما تملك من قوة. وقلبها يردد/أنا قادمة يا جاك. وأخيرًا...ستتحرر من تلك القيود.ستعترف له بحبها. لن تدفن تلك المشاعر أبدًا. وصلت إلى الفندق أخيرًا، وأنفاسها تتلاحق من شدة الركض.سألت رجلًا عجوزًا عن غرفة الطبيب جاك، فأخبرها أنها أول غرفة في الطابق الثاني. صعدت الدرج بسرعة، واللهفة تسبق خطواتها. وصلت إلى الباب...كان مفتوحًا.رأته يقف قرب النافذة، شاردًا.توقفت مكانها.وامتلأت عيناها بالدموع. ثم همست بصوتٍ مرتجف/جاك... التفت بسرعة.وكأنه لم يصدق ما سمعته أذناه. هل جاءت حقًا؟ هل غيّرت رأيها؟ ركضا نحو بعضهما في اللحظة نفسها. {بحب الدنيا وانا وياك... أيامي ﻣﻌﺎﻙ، أﻧﺎ ﻋﺎﻳﺶ ﻋﻠﺸﺎﻥ ﺑﻬﻮﺍﻙ أنا ﻋﺎﺷﻖ ﻭﺑﻤﻮﺕ في ﻫﻮﺍﻙ أنا ناسي في ﺣﻀﻨﻚ أنا ﻣﻴﻦ ﺟﻮﺍﻳﺎ ﻏﺮﺍﻡ، ﻭﻻ ﻳﻤﻜﻦ ﻫﺤﻜﻴﻪ ﺑﻜﻼﻡ ﻣﻴﻦ ﻳﻘﺪﺭ ﻳﻮﺻﻒ أحلام ﻛﺎﻥ ﻋﺎﻳﺶ ﻳﺤﻠﻤﻬﺎ سنين} احتضنها بقوة، ودفن وجهه بين خصلات شعرها المنسدلة، كأنما يخشى أن يكون ما يحدث حلمًا سينتهي حالما يفتح عينيه. أما هي، فكانت تبكي بين ذراعيه وهي تردد/أنا آسفة...آسفة جدًا. ثم رفعت وجهها إليه وهمست أخيرًا بالحقيقة التي مزقتها طويلًا/أنا أحبك يا جاك. أبعدها عنه قليلًا. وتبادلت أعينهما نظراتٍ مشتعلة بالحب والشوق والهيام. ثم...التقت شفتاهما في أول قبلةٍ. قبلة طويلة، دافئة، ممتلئة بكل ما لم يُقال. قبلة عاشقين فرّقتهما المخاوف، ثم جمعهما الحب من جديد. ابتعدت عنه أخيرًا، وقالت بسرعة/علينا المغادرة الآن...قد يكتشفون غيابي في أي لحظة. أومأ جاك بسرعة، وحمل حقيبته. لكن قبل أن يغادرا الشقة، دوّت أصوات رجال ويليام في الخارج. تصلبت ملامح جاك فورًا، وأغلق الباب بسرعة ثم قال/من النافذة. أسرعا نحوها ساعدها على الخروج أولًا، ثم رمى حقيبته وقفز خلفها. وانطلقا يركضان بين الأزقة بينما كان رجال ويليام يلاحقونهما.ركضا نحو الميناء بكل ما يملكان من قوة. وكانا يحاولان الاختباء وسط حشود الركاب المتجهين إلى السفينة الضخمة.وصلا أخيرًا إلى الممر المؤدي إليها، وصعدا بسرعة دون أن يلتفتا خلفهما. أما رجال ويليام...فقد أضاعوا أثرهما وسط الفوضى، ولم يعرفوا إن كانا قد صعدا إلى السفينة أم اختفيا في مكانٍ آخر. وبعد نصف ساعة... انطلقت السفينة تشق أمواج البحر الواسع. ركض جاك مع إليز نحو مقدمتها، بينما كانت ضحكاتهما ترتفع مع الرياح .توقف أخيرًا والتفت إليها. ثم أحاط خصرها بذراعيه وهو يتأملها بعدم تصديق. ما زالت هنا... الفتاة التي أحبها... اختارته هو. ابتسمت إليز بخفة وقالت بمشاكسة/هل سنقضي بقية حياتنا نحدق ببعضنا هكذا؟ ضحك جاك وقال/ليس تمامًا. ثم انحنى قليلًا وهمس/ما رأيك ببعض الويسكي يا سيدة المجتمع الراقي؟ ضحكت إليز وقالت برقب مصطنع /بوربون...من فضلك. وانطلقت ضحكاتهما معًا من جديد. وبعد حفلة شرابٍ طويلة... كان جاك يسند إليز من خصرها بينما كانت تضحك بخفة وتنطق بكلماتٍ غير مفهومة من أثر الثمالة الخفيفة. تأملها مبتسمًا بحنان، ثم دفع باب الغرفة ودخلا معًا. أغلق الباب خلفهما بهدوء. تلفتت إليز حولها وقالت بتعجب/أين نحن؟ ابتسم جاك وهو يقترب منها/في غرفتنا. رفعت حاجبيها، ثم أمسكت بياقة قميصه وهمست بخفوتٍ عذب/أمم...غرفتنا؟ ابتسم وقال وهو يقترب أكثر/نعم. كانت عيناها تنتقلان بين عينيه وشفتيه بتوترٍ خافت. وفجأة باغتها بقبلةٍ عميقة خطفت أنفاسها، بينما ضمها إليه بكل الشوق الذي أخفاه طويلًا. تعلقت به أكثر، كأنها أخيرًا وصلت إلى المكان الذي تنتمي إليه.مد يده الى الخيوط التي تغلق ثوبها وبدأ بفتحها بينما كانت اناملها تعبثان بأزرار قميصه . تراجعا ببطء نحو ذلك السرير الأبيض القابع في منتصف الغرفة...ليبدأ فصلٌ جديد لعاشقين تحدّيا المستحيل كي يجتمعا أخيرًا.