الفصــــــل الرابع
••𝓣𝓱𝓮 𝔀𝓻𝓲𝓽𝓮𝓻 𝓐𝓻𝓲𝓭𝓳••
꧁꧂
꧁꧂
꧁꧂
بعد أن خرجا من النهر، وقد التصقت قطرات الماء بثيابهما كحبات لؤلؤٍ صغيرة تتلألأ تحت ضوء المغيب، جلسا فوق تلك الصخرة القابعة قرب الضفة، يتأملان الغروب بصمتٍ عذب يشبه الحلم.
كانت السماء تشتعل بألوانٍ دافئة؛ خيوطٌ برتقالية تمتزج بحمرة الشفق، بينما الشمس تهبط ببطء خلف التلال البعيدة كأنها تودّع العالم على مهل. والنسيم الرطب يمر بينهما بخفة، يحمل رائحة العشب والماء، ويبعثر بعض خصلات شعر إليز حول وجهها الناعم.
جلسا متجاورين دون أن ينبسا بكلمة.لكن الصمت بينهما لم يكن فارغًا.بل كان ممتلئ بذلك الشعور الغريب الذي يولد بصمت، وينمو دون استئذان.
اقتربت يداهما تدريجيًا، بحذرٍ خافت، حتى تشابكت أصابعهما أخيرًا في عناقٍ طويل ودافئ، كأن كلًّا منهما وجد في يد الآخر شيئًا كان ينقصه منذ زمن.
التفت كلٌ منهما نحو الآخر وفي كل عينٍ كانت هناك لمعة شعورٍ صادق، شعور لا يحتاج إلى اعترافاتٍ طويلة كي يُفهم.
ابتسم جاك بهدوء، فبادلته إليز الابتسامة ذاتها، قبل أن تسأله بصوتٍ ناعم امتزج بخفقات قلبها/أخبرني عنك.
أدار جاك بصره نحو السماء للحظات، كأنه يبحث بين الغيوم عن الكلمات المناسبة، ثم قال بهدوء/وما الذي تودين سماعه؟
أمالت رأسها نحوه قليلًا وقالت باهتمامٍ حقيقي/من أنت؟ هل لديك عائلة؟ ماذا تحب؟ وما الذي تكرهه؟
ابتسم بخفة، ثم تنهد تنهيدة طويلة قبل أن يجيب/كما ترين...أنا هنا بصفتي طبيبًا، لكن بقائي مؤقت.
وكأن شيئًا انكسر داخلها في تلك اللحظة.شعرت بانقباضٍ مفاجئ في صدرها، وسألته بسرعة وقد تغيرت ملامحها/لماذا؟...إلى أين ستذهب؟
التفت إليها، وكانت عيناه أكثر هدوءًا من كلماته/سأعود إلى دياري...إلى هولندا.
توقف لثانية، ثم أردف بصوتٍ خافت خنقته مرارة الفقد/توفيت والدتي منذ فترة قصيرة...ولم يبقَ أحد ليرعى أخويّ سواي.
ارتجفت نظرات إليز بالحزن وهمست/إذًا...سترحل.
ابتسم جاك ابتسامة باهتة يشوبها شيءٌ من السخرية اللطيفة، ثم قال/أهذه عادتك؟
رفعت حاجبيها بعدم فهم، فأكمل وهو يبتسم/أتحزنين على فراق شخصٍ لا تعرفينه أصلًا؟
ابتسمت إليز بحزنٍ رقيق، ثم أشاحت ببصرها قليلًا قبل أن تقول بصوتٍ خافت/لست كذلك...لكن، ومنذ زمنٍ طويل، لم ألتقِ بأحدٍ يشبهك وسط تلك الدائرة البغيضة التي أعيش فيها.
ضحك جاك بخفة، ثم مال نحوها قائلًا بمشاكسة/ومن تكونين الآن يا سيدة المجتمع الراقي؟
ضحكت إليز، وكانت ضحكتها صافية كالماء، ثم قالت/بالمناسبة...نادني إليز. هذا الاسم لا يستخدمه إلا المقربون مني...سوزي...
توقفت لحظة قصيرة، ثم أضافت وهي تنظر إليه/وأنت.
شعر جاك بشيءٍ دافئ يعبر قلبه عند سماعه ذلك.
أما هي، فأكملت بصوتٍ هادئ تختلط فيه السخرية بالمرارة/كما تعلم...أعيش داخل منزلٍ كبير، بين حفلات الشاي والرقص والمظاهر الزائفة...الكثير من التصنع، والقليل جدًا من السعادة.
ثم همست وهي تحدق في الأفق البعيد/ودون أي حريةٍ للاختيار.
عقد جاك حاجبيه متسائلًا/ما الذي تعنينه بعدم حرية الاختيار؟
تنهدت إليز ببطء، وشعرت كأن الكلمات تثقل فوق قلبها قبل أن تخرج/سأتزوج نهاية الأسبوع القادم.
صمتت للحظة، ثم أكملت بيأسٍ واضح/من رجل يُدعى ويليام...رجل متسلط، يملك النفوذ والمال وكل ما يعشقه المجتمع...لكنني لا أريده.
نظر إليها جاك طويلًا، ثم قال بهدوء/إذًا قومي بما تريدين فعله
التفتت إليه بدهشةٍ ممزوجة بمرارة ساخرة/أفعل ماذا؟
قال بثبات/لا تتزوجيه.
ضحكت بخفةٍ حزينة، وكأن كلماته كانت حلمًا جميلًا يستحيل تحقيقه، ثم قالت/أتظن أن الأمر بهذه البساطة؟
خفضت رأسها قليلًا قبل أن تتابع/هذا ليس قراري أنا...بل قرار والدتي. إنها تظن أن زواجي منه سينقذ عائلتنا.
ثم رفعت عينيها إليه وهمست/والدي يمر بأزمة مالية قد تقودنا إلى الإفلاس.
في تلك اللحظة شعر جاك بشيءٍ بارد يهبط داخل قلبه.كأن القدر، منذ البداية، كان يضع بينهما نهايةً لا مفر منها.هذه الحسناء التي تسللت إلى أفكاره، والتي أحبها دون أن يشعر...كانت تنتمي إلى عالمٍ لا مكان له فيه.بساطتها...نقاء روحها...احبها بكل تفاصيلها
قطعت إليز ذلك الصمت الثقيل وهي تنظر إلى السماء التي بدأت تعتم/لقد تأخر الوقت...علينا العودة.
غادرا المكان معًا ببطء، وقد صار ذلك النهر شاهدًا على ذكرى جميلة ستبقى عالقة في قلبيهما طويلًا.
أوصلها جاك إلى الشارع الذي يقع فيه قصرها، ثم عاد أدراجه نحو الفندق وكانت الابتسامة ترتسم فوق شفتيه كلما تذكر ضحكتها... لمعان عينيها حين كانت تنظر إليه.
أما إليز، فقد تسللت إلى القصر عبر باب الخدم الخلفي، وقلبها يرفرف بسعادةٍ لم تعرفها من قبل.
كانت تشعر وكأن روحها أخيرًا تحررت من ذلك القفص الذهبي.مرّت قرب الخدم في المطبخ بخفة، ثم صعدت الدرج مسرعة نحو غرفتها.ما إن أغلقت الباب حتى استدارت وسط الغرفة الواسعة، وراحت تدور حول نفسها كطفلةٍ سُرقت منها الأحزان للحظات.
كانت تضحك بعفوية، تتمايل يمينًا ويسارًا، بينما أطراف فستانها تتحرك حولها بخفة.
ثم توقفت فجأة وضحكت على تصرفاتها، قبل أن تتجه نحو الحمام.استحمت بماءٍ دافئ، ووضعت ثوبها المبلل داخل سلة الغسيل، ثم بدّلت ملابسها وغادرت غرفتها متجهة إلى غرفة الطعام.
لاحظ والدها ووالدتها تلك السعادة التي فشلت في إخفائها.لكن كليهما ظن أن السبب يعود إلى استمتاعها بالقراءة...أو ربما لأنها بدأت أخيرًا تتقبل فكرة زواجها من ويليام.
وانتهت مسرحية الليل، وأُزيح الستار عن شمس يومٍ جديد.
استيقظت إليز في صباح اليوم التالي بنشاطٍ غير معتاد، وكأن قلبها استعاد الحياة بعد طول سبات.
أسرعت في أداء طقوسها الصباحية، لكن أكثر ما ميّز هذا اليوم...أنه كان يوم تسللٍ آخر.
انسلت من القصر كما تنسل الشعرة من العجين، وغادرت من الباب الخلفي بخفةٍ اعتادت عليها.
وما إن رفعت بصرها حتى لمحته متكئًا على الحائط القريب...كان ينتظرها.
ركضت نحوه بسرعة، وعندما رآها اتسعت ابتسامته تلقائيًا، واعتدل في وقفته.
قالت وهي تلهث بخفة/جاك ماذا تفعل هنا؟ أليس لديك عمل تقوم به؟
ابتسم جاك وقال بمزاح/يبدو أن سكان ليفربول لا يحتاجون طبيبًا اليوم فجميعهم بصحة ممتازة.
ضحكت إليز بخفة.
ثم ساد بينهما صمتٌ قصير لكن نظراتهما تكفلت بكل شيء.كانت تلك النظرات تحمل مشاعر صادقة و بريئة.كان جاك يتأمل وجهها وكأنه يحاول حفظ تفاصيله داخل ذاكرته قبل أن يخسره يومًا.
أما هي، فكانت ترى فيه الأمان الذي افتقدته طويلًا.
استفاقا أخيرًا من شرودهما، فقال جاك/إذًا...إلى أين تودين الذهاب اليوم؟
ابتسمت إليز بحماسٍ طفولي وقالت/أريد أن أركض...أن أصرخ بأعلى صوتي.
ثم رفعت ذراعيها قليلًا وأضافت/أريد مكانًا واسعًا للغاية!
ضحك جاك وقال/اعتبري المهمة قد أُنجزت.
مد يده نحوها، فأمسكت بها دون أدنى تردد.
وركضا معًا بين الأزقة الضيقة، يصطدمان بالمارة أحيانًا، ويثيران ضجر الباعة أحيانًا أخرى، بينما كانت ضحكاتهما ترتفع في الهواء بحريةٍ ساحرة.
في الجهة الأخرى...
كان ويليام يجلس إلى إحدى الطاولات قرب رصيف المقهى مع أحد معارفه، حين لمح إليز تركض مع شابٍ غريب.
في لحظةٍ واحدة تغيرت ملامحه...اشتعل الغضب داخل عينيه، وقال بحدة وهو ينهضذ/عليّ الذهاب الآن...سنكمل غدًا.
أشار بيده إلى رجلين ضخمي البنية كانا يقفان بالقرب منه، ثم انطلق خلفهما وسط الزحام، وعيناه مثبتتان على إليز.
كان يسرع أحيانًا، ويمشي أحيانًا أخرى حتى لا يفقد أثرهما.
في تلك الأثناء، كان جاك يضم يد إليز بين أصابعه بإحكام.وقد أدرك أخيرًا حقيقةً لم يعد قادرًا على إنكارها...لقد أحب هذه الفتاة...بكل ما فيه.
وصلا أخيرًا إلى تلك المراعي الخضراء الممتدة بلا نهاية.أفلتت إليز يده وركضت وسط العشب بضحكاتٍ مشرقة، لكن قدمها انزلقت فجأة فسقطت أرضًا.
ركض جاك نحوها مذعورًا، وقبل أن يسألها إن كانت بخير، تعثر هو الآخر وسقط بجانبها.
وانطلقت ضحكاتهما معًا من جديد.
استلقى جاك على ظهره فوق العشب وتوسد ذراعيه، بينما استندت إليز على جانبها الأيمن، تسند رأسها إلى راحة يدها وهي تتأمله بصمت.التفت إليها جاك مبتسمًا فأشاحت ببصرها بخجلٍ خفيف.
لكن فكرةً ما خطرت في بالها فجأة، فاعتدلت في جلستها وقالت بتردد/ألن تغيّر رأيك؟
نظر إليها بعدم فهم/بشأن ماذا؟
همست/بشأن عودتك إلى مدينتك.
تنهد جاك وقال بصوتٍ منخفض/الأمر ليس بيدي.
وفجأة...
مزق صوتٌ غاضب هدوء المكان/إليزابيث!
انتفض الاثنان بسرعة.كان ويليام يقترب منهما ومعه رجلاه.
أسرع جاك وجعل إليز تقف خلفه بحركةٍ غريزية، ثم سألها بسرعة/هل تعرفينه؟
همست بحقد/إنه ويليام...ذلك البغيض الذي سأُجبر على الزواج منه.
تصلبت ملامح جاك وقال فورًا/اهربي.
هزت رأسها بعناد/لن أتركك هنا.
وصل ويليام إليهما، لكن جاك منعه من الاقتراب منها.
تنهد ويليام بتكبر، ثم أشار إلى رجليه قائلًا ببرود/تقدما.
تقدم أحد الرجلين، وأخرج سلاحًا من جيبه موجّهًا إياه نحو رأس جاك.
شهقت إليز بذعر، بينما قال ويليام بغطرسة/افعلا ما تشاءان.
صرخت إليز بصوتٍ مرتجف/أبعدهما عنه!
ابتسم ويليام بسخرية باردة وقال/إن أتيتِ معي الآن...فقد أسمح له بأن يعيش ما تبقى من حياته التعيسة.
التفت جاك إليها سريعًا، وأشار بعينيه ألّا تتحرك.
لكن إليز تمتمت بصوتٍ مكسور/أنا آسفة...
ثم سحبت يدها ببطء من خلفه.أمسك ويليام بذراعها بعنف، وجرّها معه تحت صرخات جاك التي كانت تنادي باسمها بجنون.حاول جاك اللحاق بها، لكن أحد رجال ويليام لكمه بقوة.
رد جاك اللكمة بعنفٍ مماثل، إلا أن الرجل الآخر أشهر السلاح في وجهه مباشرة.
ولحسن الحظ، كانت إحدى دوريات الشرطة تمر بالقرب من الطريق.وما إن لاحظ رجال الشرطة ذلك الاشتباك حتى أسرعوا نحوهم، واعتقلوا رجلي ويليام، بينما أُخلي سبيل جاك بعد استجوابٍ سريع.
كان يسير في الشوارع بعدها كمن فقد جزءًا من روحه.الحزن يجثم فوق صدره بثقلٍ خانق.
هل انتهى كل شيء؟
ألن يراها مجددًا؟
مالذي يفعله بهذا القلب الذي تعلّق بها حتى صار ينبض باسمها؟
عاد إلى شقته أخيرًا، وألقى بنفسه فوق السرير.
أسند رأسه إلى ذراعيه، وظل يتذكر كل لحظة قضاها معها...ضحكتها
نظراتها
صوتها
حتى طريقة نطقها لاسمه...
أما إليز...
فها هي الآن حبيسة غرفتها حتى يحين يوم زفافها.
صحيح أن ويليام لم يخبر عائلتها بأنها كانت برفقة جاك، لكن مجرد تسللها من القصر كان كافيًا ليجعلهم يسجنونها إلى أجلٍ غير معلوم.
كانت تجلس فوق سريرها، تسند ظهرها إلى مقدمته الخشبية المزينة بالنقوش الذهبية،تضم قدميها إلى صدرها بذراعين مرتجفتين والدموع تنساب فوق خديها ببطء، تحفر مسارها فوق بشرتها الناعمة كأنها تترك أثرًا لحزنٍ لن يمحوه الزمن بسهولة.