الفصل الرابع
الممر كان مظلمًا بشكل غريب.
لا يوجد أحد.
فقط صوت أنفاس جيو الثقيلة… وقطرات الدم التي تنزل ببطء من بين أصابعه.
السلسلة المعدنية كانت باردة جدًا داخل يده.
قديمة.
ومحفور عليها رمز غريب بالكاد يظهر تحت الضوء.
لكن الشيء المرعب…
أنها لم تكن غريبة عليه.
بل مألوفة.
مألوفة أكثر مما يجب.
قبض عليها بقوة حتى ابيضّت مفاصله.
ثم أغلق عينيه للحظة.
وفجأة—
صوت صراخ اخترق رأسه.
امرأة تبكي.
لهيب.
دم.
وصوت طفل صغير يصرخ بخوف:
— "لا تتركـني!"
فتح جيو عينيه بعنف.
وتراجع خطوة للخلف وكأنه اختنق.
يده ارتجفت بقوة أكبر.
— "توقف…"
لكن الذكريات لم تتوقف.
بل ازدادت.
نار.
دخان.
وسلسلة حول عنق شخص ما…
نفس السلسلة.
نفسها تمامًا.
وفجأة—
رن هاتفه.
تجمد للحظة قبل أن يجيب.
صوت ريان جاء حادًا فورًا:
— "أين أنت؟!"
صمت جيو.
ثم قال ببرود متعب:
— "وجدتها."
وفي الجهة الأخرى…
اختفى صوت ريان تمامًا لثانيتين.
ثانيتين مخيفتين.
قبل أن يقول:
— "لا تلمسها أكثر."
نظر جيو للسلسلة داخل يده.
لكن قبضته اشتدت بدل أن ترتخي.
— "متأخر."
— "جيو."
نبرة ريان هذه المرة كانت مختلفة.
قلقة.
وهذا وحده شيء نادر جدًا.
لكن جيو أغلق المكالمة بدون رد.
ثم رفع نظره ببطء…
ليتجمد مكانه بالكامل.
لأن سيا كانت واقفة آخر الممر.
تنظر له.
وإلى الدم على يده.
وإلى السلسلة.
رمشت ببطء.
— "حسنًا… إما أنك دخلت عصابة سرية، أو أن يومي سيتحول لفيلم رعب."
جيو أخفى السلسلة فورًا داخل جيبه.
— "منذ متى وأنتِ هنا؟"
— "منذ اللحظة التي قلت فيها جملة مرعبة تكفي لخمسة مواسم نتفلكس."
اقتربت خطوة.
ثم ضاقت عيناها.
— "أنت بخير؟"
— "نعم."
— "كاذب."
صمت.
وهذا وحده كان إجا
شعرت سيا بانقباض غريب داخل صدرها.
لأن شكله الآن…
لم يكن باردًا كعادته.
بل بدا ضائعًا.
ومتعبًا.
وكأنه يحمل شيئًا أكبر منه.
لكن قبل أن تتكلم—
وصل ريان بسرعة للممر.
عيناه تحركتا فورًا نحو جيو.
ثم نحو جيبه.
ثم قال بحدة:
— "أعطني إياها."
سيا رمشت.
— "واو. هل الجميع هنا يتحدثون بالألغاز عمدًا؟"
لكن لا أحد رد عليها.
جيو ثبت نظره على ريان.
— "لماذا تخفون الحقيقة؟"
توتر فك ريان فورًا.
— "ليس الآن."
— "إذن متى؟ بعد أن ينهار كل شيء؟"
سيا نظرت بينهما بصدمة.
هذه أول مرة ترى جيو غاضبًا فعلًا.
ليس باردًا.
غاضب.
والأغرب…
أن ريان بدا متوترًا منه.
اقترب ريان خطوة وخفض صوته:
— "أنت لا تتذكر ما حدث تلك الليلة."
تجمد جيو.
— "…أي ليلة؟"
وهنا فقط…
أدركت سيا أن هناك شيئًا ناقصًا.
شيئًا مفقودًا من ذاكرته.
لكن قبل أن يجيب ريان—
رن جرس الإنذار داخل المدرسة فجأة.
مرة أخرى.
لكن هذه المرة…
لم يكن تدريبًا.
أصوات الطلاب ارتفعت بالخارج.
وصوت المدرسين المذعورين ملأ المكان.
ثم جاء صوت عبر السماعات:
— "جميع الطلاب يُرجى البقاء داخل الفصول فورًا!"
سيا شهقت.
— "ماذا الآن؟!"
لكن ريان كان قد سحب هاتفه بسرعة.
نظر للشاشة…
وتغير وجهه بالكامل.
ثم همس:
— "مستحيل…"
جيو ضيق عينيه.
— "ماذا حدث؟"
رفع ريان عينه ببطء.
ولأول مرة…
ظهر خوف حقيقي داخلها.
— "لقد عاد."
الصمت ضرب المكان.
حتى سيا شعرت بقشعريرة باردة تمر بجسدها.
— "من عاد؟"
لكن لا أحد أجابها.
لأن في نفس اللحظة…
انطفأت أنوار المدرسة بالكامل.
غرق الممر في الظلام.
ثم—
صوت خطوات.
بطيئة.
ثقيلة.
تقترب منهم.
خطوة…
خطوة…
خطوة…
وسيا شعرت فجأة بأنفاسها تتسارع.
هناك شخص ما هنا.
شخص خطير.
ثم ظهر ظل طويل آخر الممر.
رجل يرتدي الأسود بالكامل.
وابتسامة مخيفة ترتسم على وجهه.
رفع نظره مباشرة نحو جيو.
وقال بهدوء مرعب:
— "كبرت كثيرًا… أيها الأمير."
تجمد جيو بالكامل.
أما ريان…
فسحب سيا خلفه فورًا وكأنه يحميها تلقائيًا.
لكن الرجل ضحك بخفوت.
— "أوه؟ هل وصل الأمر لحماية البشر الآن؟"
قبض جيو يده بقوة.
— "من أنت؟"
الرجل ابتسم أكثر.
ثم لمس السلسلة المعلقة حول عنقه…
نفس رمز السلسلة التي وجدها جيو.
— "أنا الشخص الذي دمّر حياتك قبل عشر سنوات."
شهقت سيا تلقائيًا.
أما جيو…
فشعر أن العالم توقف للحظة.
الصداع عاد بعنف.
والذكريات بدأت تتكسر داخل رأسه كالمرايا.
النار.
الصراخ.
الدم.
وطفل صغير يبكي داخل غرفة مشتعلة…
ثم فجأة—
سقط جيو على ركبته وهو يضغط رأسه بقوة.
— "آآخ…!"
سيا ركضت نحوه فورًا.
— "جيو!"
لكن الرجل ابتسم وهو يراقبه يتألم.
— "يبدو أن ذاكرته بدأت تعود أخيرًا."
تحرك ريان مباشرة أمامه بعينين قاتلتين.
— "لو اقتربت أكثر—"
لكن الرجل قاطعه بابتسامة باردة:
— "ماذا؟ ستقتلني أمامه مرة أخرى؟"
تجمد ريان.
وسيا فتحت عينيها بصدمة.
مرة أخرى…؟
ثم فجأة—
دوى انفجار ضخم هز المدرسة كلها.
الزجاج تحطم.
والطلاب صرخوا بالخارج.
وسيا فقدت توازنها تمامًا—
لكن قبل أن تسقط…
أحاطتها ذراع جيو بسرعة.
ضمها إليه بدون وعي.
وكأنه أصبح يحميها تلقائيًا.
حتى وهو يتألم.
حتى وهو ينهار.
رفعت رأسها نحوه بصدمة.
أما هو…
فكان ينظر للرجل بعينين مختلفتين تمامًا.
عينين مظلمتين…
ومرعبتين.
ثم قال بصوت منخفض أخاف الجميع:
— "أنت… من قتل أمي."
ابتسامة الرجل اتسعت ببطء.
— "أخيرًا تذكّرت."
صوت الانفجار ما زال يهزّ جدران المدرسة.
الدخان بدأ ينتشر بالممرات.
والطلاب يصرخون في كل مكان.
لكن داخل ذلك الممر تحديدًا…
كان الوقت متوقفًا.
عين جيو بقيت ثابتة على الرجل أمامه.
وكأن العالم كله اختفى.
ولم يبقَ سوى تلك الجملة.
"أنت من قتل أمي."
ابتسامة الرجل اتسعت أكثر.
ابتسامة شخص كان ينتظر هذه اللحظة منذ سنوات.
ثم قال بهدوء بارد:
— "استغرقت وقتًا طويلًا لتتذكر."
قبضت سيا على كمّ جيو فورًا.
شعرت أن جسده كله يرتجف.
ليس خوفًا.
غضب.
غضب مرعب لدرجة أنها شعرت به تحت أصابعها.
ريان تحرك خطوة للأمام فورًا.
وقف بينهما مباشرة.
— "خذهـا واذهب يا جيو."
لكن جيو لم يتحرك.
حتى لم يرمش.
الرجل ضحك بخفوت.
— "ما زلت تحاول حمايته؟ بعد كل هذا؟"
ريان قال بحدة:
— "اصمت."
لكن الرجل تجاهله تمامًا.
بل ثبت عينيه على جيو وقال:
— "هل أخبرك أخوك كيف ماتت والدتك فعلًا؟"
تجمدت أنفاس جيو.
أما سيا فنظرت لريان بصدمة.
"أخوك؟"
لكن قبل أن تستوعب—
صرخ ريان فجأة:
— "لا تستمع له!"
ولأول مرة…
فقد أعصابه تمامًا.
لكن الضرر حدث بالفعل.
لأن الشك ظهر داخل عيني جيو.
شك قاتل.
ثم همس:
— "…ريان؟"
صمت.
صمت واحد فقط كان كافيًا.
كافيًا ليشعر جيو أن الأرض انهارت تحته.
الرجل ابتسم ببطء.
— "أرأيت؟ حتى الآن لا يستطيع النظر بعينيك."
سيا شعرت بالتوتر يخنق المكان.
هناك شيء خطير جدًا هنا.
شيء أكبر من مجرد عائلة مضطربة.
ثم فجأة—
أمسك الرجل شيئًا من جيبه.
جهاز صغير أسود يومض باللون الأحمر.
ريان شهق فورًا:
— "تراجعوا!"
لكن بعد ثانية—
انفجر الجهاز.
ضوء أبيض قوي ملأ المكان بالكامل.
وسيا شعرت بأذنها تصفر بعنف.
ثم—
يد قوية أمسكتها.
جيو.
سحبها بسرعة نحوه قبل أن تسقط قطع الزجاج فوقها.
اصطدم ظهره بالحائط بقوة بينما حاوطها بجسده بالكامل.
الزجاج تناثر فوق كتفه وذراعه.
لكن لم يتركها.
حتى للحظة.
مرّت ثوانٍ ثقيلة…
قبل أن يهدأ كل شيء تدريجيًا.
الدخان غطى الممر.
والرؤية أصبحت شبه معدومة.
سيا رفعت رأسها ببطء.
وكانت على بعد سنتيمترات فقط من وجه جيو.
أنفاسه ساخنة ومتسارعة.
وشعره الأسود مبعثر فوق عينيه.
أما نظراته…
فكانت مرعبة.
غاضبة.
ومتألمة.
وضائعة.
ثم فجأة—
سعل بقوة.
ودم نزل من جانب فمه.
اتسعت عيناها فورًا.
— "جيو!"
حاول يبتعد عنها لكنه ترنح.
سيا أمسكت به فورًا.
— "أنت مصاب!"
— "أنا بخير."
— "كلكم تكذبون بنفس الجملة؟!"
رغم الموقف…
ظهرت زاوية فمه وكأنها سترتفع للحظة.
لكنها اختفت بسرعة.
ثم رفع رأسه فجأة.
الرجل اختفى.
ريان كان يقف وسط الدخان وهو يضغط أسنانه بغضب مرعب.
— "تبًا…"
سيا نظرت حولها بتوتر.
— "من هذا المجنون أصلًا؟!"
لكن ريان لم يجب.
بل أمسك ذراع جيو مباشرة.
— "علينا المغادرة الآن."
جيو أبعد يده بعنف.
— "لن أهرب مرة أخرى."
— "هذا ليس وقت العناد!"
— "إذن أخبرني الحقيقة!"
الصمت انفجر بينهما.
ثم—
قال جيو بصوت مكسور لأول مرة:
— "هل كنت هناك؟"
ريان تجمد.
— "…"
— "ليلة موت أمي."
عيناه اهتزتا للحظة.
وهذا وحده كان أسوأ جواب ممكن.
تراجع جيو خطوة للخلف ببطء.
وكأنه تلقى ضربة فعلية.
أما سيا…
فشعرت بقلبها ينقبض بقوة.
لأن ملامحه الآن…
لم تكن ملامح شخص غاضب.
بل شخص تحطم شيء داخله.
وفجأة—
دوى صوت صراخ بالخارج.
ثم ركض أحد الطلاب داخل الممر مذعورًا:
— "هناك شخص بالمبنى الغربي! معه سلاح!"
تغير وجه ريان فورًا.
سحب هاتفه بسرعة.
لكن جيو تحرك قبله.
— "إلى أين تذهب؟!"
— "إن كان عاد بسببي… فلن أترك أحدًا يتأذى."
— "جيو!"
لكن جيو كان قد اختفى داخل الدخان بالفعل.
سيا شهقت.
ثم ركضت خلفه فورًا.
ريان لعن بصوت منخفض وتحرك خلفهما.
المبنى الغربي…
كان شبه فارغ.
الأضواء تومض بشكل مخيف.
وأصوات الإنذار لا تتوقف.
سيا كانت تركض خلف جيو وهي تلهث.
— "هل يمكنك التوقف عن الاختفاء بطريقة درامية كل خمس دقائق؟!"
لكنه لم يرد.
كان يتحرك بسرعة وكأنه يعرف أين يذهب.
ثم فجأة—
توقف.
باب أحد الفصول كان مفتوحًا قليلًا.
والدم… موجود على الأرض.
شعرت سيا بقشعريرة.
أما جيو فدفع الباب ببطء.
ليتجمد مكانه بالكامل.
لينا.
كانت مقيدة على الأرض.
وفمها مغطى.
وعيناها ممتلئتان بالدموع.
شهقت فور رؤيتهما.
— "ممف!!"
سيا ركضت لها فورًا.
— "لينا!"
لكن قبل أن تصل—
أُغلق الباب خلفهم بعنف.
ثم…
صوت تصفيق بطيء ملأ الغرفة.
الرجل نفسه خرج من الظلام بابتسامته الباردة.
— "رائع."
جيو وقف فورًا أمام سيا ولينا.
— "اتركهما."
الرجل ضحك.
— "ما زلت لا تفهم، أليس كذلك؟"
ثم رفع شيئًا صغيرًا بيده.
ريموت.
وضغط الزر.
وفجأة—
ظهرت شاشة كبيرة داخل الفصل.
صورة قديمة بدأت تعمل.
فيديو مهتز…
لغرفة تحترق.
وصوت طفل يبكي.
تجمد جيو بالكامل.
لأنه كان هو.
طفل صغير…
داخل الحريق.
ثم ظهر شخص آخر بالفيديو.
شاب يقف وسط النار…
ريان.
شهقت سيا.
أما جيو فشعر أن أنفاسه توقفت.
وفي الفيديو…
كان ريان يصرخ:
— "جيو! اهرب!"
لكن الطفل الصغير كان يبكي:
— "أمي ما زالت بالداخل!"
ثم…
ظهر ظل رجل آخر بالنار.
نفس الرجل الموجود أمامهم الآن.
وفجأة—
صوت إطلاق نار دوى بالفيديو.
والشاشة اهتزت بعنف.
ثم ظهر مشهد واحد فقط…
مشهد جعل الدم يتجمد بعروق جيو.
والدته…
تسقط أرضًا.
والدم ينتشر تحتها.
اتسعت عينا جيو بشكل مرعب.
أما الرجل…
فابتسم ببطء وهمس:
— "لكن هل تعرف الجزء الأجمل؟"
اقترب خطوة.
ثم قال:
— "الشخص الذي أطلق الرصاصة… لم يكن أنا."
الصمت مات.
سيا نظرت لريان بصدمة.
ريان الذي وصل للتو عند الباب…
وكان وجهه شاحبًا بالكامل.
أما جيو…
فاستدار نحوه ببطء شديد.
وعيناه…
كانت مليئة بصدمة قاتلة.
— "…ريان؟"
ولأول مرة في حياته…
لم يستطع ريان الرد.