الفصل الثالث عشر (الاخير)
لم يكن الرفضُ بالنسبة لها نهاية، بل كان دليلاً قاطعاً على حجم النزيف الذي يسكنه. لم تكن ترى فيه رجلاً متكبراً، بل رأت طفلاً يرتجف من الألم خلف قناع الشهرة. بدأت رحلة بحثٍ مضنية، تقصت الأثر، وسألت في الطرقات، حتى قادتها قدماها إلى زقاقٍ ضيق يفوح منه عبق الماضي الحزين.. هناك، وجدت "المنزل القديم".
وقفت مذهولة أمام جدرانه المتهالكة ومنظره البالي؛ صرخت في سرها: "كيف يمكن لمن يملك العالم بين يديه أن يختار العيش في هذا الحطام؟". طرقت الباب مرة، واثنتين، وعشرة.. نادت باسمه بكل ما أوتيت من حب، لكن الصمت كان هو الرد الوحيد. تسلل الرعب إلى أحشائها، شعرت ببرودةٍ غريبة تنبعث من خلف الخشب القديم، فصرخت مستنجدةً بالسلطات.
حين كُسر الباب، لم يكن هناك صخب، بل سكونٌ مهيب يشبه سكون المقابر. اندفعوا إلى الداخل، ليجدوا مشهداً يفطر القلوب ويجمد الدماء في العروق..
هناك، في تلك الزاوية المظلمة، وبجوار الحاسوب المتهالك والميكروفون القديم -اللذين كانا شاهدين على ولادة أحلامه وموت أمه- قرر الفنان العظيم أن يضع حداً لمعاناته. كان جسده مسجىً بجوار معداته البسيطة، وكأنه أراد أن يموت في المكان الوحيد الذي شعر فيه يوماً أنه "إنسان".
رحل تاركاً خلفه ثروةً لم تنفعه، وشهرةً لم تسعده، وقصةً سيكتبها التاريخ بماء الدموع. رحل ليلحق بأمه وأبيه، تاركاً تلك الفتاة تصرخ في الفراغ، مدركةً أن الحب قد جاء متأخراً جداً، وأن العالم خسر أصدق صوتٍ غنّى للوجع، لأنه مات من فرط الوجع.
لم يمت في قلوب الناس بموته؛ بل تحول رحيله إلى زلزالٍ هزَّ وجدان الملايين. في اليوم التالي، امتلأت الشوارع بصور ذلك الشاب الذي غنى لهم عن أوجاعهم فقتله وجعه الخاص. أُغلقت المحلات، وتوقفت الإذاعات عن بث أي شيء سوى صوته، وكأن العالم قرر أخيراً أن "يسمع" الإنسان الذي طالما صرخ ولم يلتفت إليه أحد.
أما تلك الفتاة، فقد بقيت وحيدة في ذلك المنزل القديم لأيام. لم تأخذ من ثروته شيئاً، بل أخذت فقط "الميكروفون القديم" و"الأوراق المهترئة" التي سكب فيها دمه قبل فنه. اشترت الملجأ الذي كانت تعمل به بتمويلٍ مجهول -قيل إنه من وصيته الأخيرة- وأسمته "ملجأ الأمل الضائع"، لكي لا يشعر طفلٌ فيه بالوحدة التي نهشت قلب حبيبها.
وفي كل عام، في ذكرى رحيله، كانت تذهب إلى المقابر، تضع وردة بيضاء على قبره، وتهمس في سكون الليل: "لقد أصبحتَ معهما الآن يا حبيبي.. هل وجدتَ الراحة التي بحثتَ عنها؟".
لم يعد هناك حفلات، ولا صخب، ولا أضواء شهرة. بقي فقط صوته يتردد في أزقة الشوارع، وفي قلوب المنكسرين، يذكرهم بأن خلف كل "فنان" مبهر إنساناً قد يكون أكثرهم حاجةً للحب. وانتهت قصة الفنان الذي أعطى العالم كل شيء، ولم يطلب منه سوى "حضن دافئ" و"قلب صادق"، لكن العالم لم يفهم مطلبه إلا حين صار جثةً هامدة بجوار أحلامه القديمة.