الفصل الحادي عشر
حبس نفسه داخل جدران منزله الباردة، غاب عن الوعي بالزمن؛ فلا الأيام تعني له شيئاً، ولا الساعات تداوي جراحاً. وفي لحظة ضعفٍ إنساني، ولأن الغريق يتشبث بقشة، قرر أن يمنح حبيبته فرصةً أخيرة؛ حاول إقناع نفسه بأن كلماتها القاسية عن أمه كانت مجرد خوفٍ عليه، أو دافعاً من دوافع الحب المتهور.
لكنه حين خرج، لم يجد حباً، بل وجد الحقيقة عارية وقبيحة. رآها في أحضان شخصٍ آخر، وقد زُينت يدها بخاتم الخطوبة من رجلٍ يملك من المال ما عجز هو عن توفيره لإنقاذ حياة أمه.
واجهها بعينين ميتتين، فجاء ردها كالسّم الذي يسري في العروق؛ قالت له ببرودٍ مرعب: "كنتُ معك لأنني ظننتُ أن موهبتك ستجعلك مشهوراً وثرياً في وقتٍ قصير، لكنني اكتشفتُ أنك مجرد أحمق كبير يضحي بكل شيء من أجل أوهام.. وأنا لا وقت لديّ للأحمق".
في تلك اللحظة، حدث شيءٌ غريب؛ لم يصرخ، لم يبكِ، ولم يصفعها كما فعل سابقاً. لم يبدِ أي ردة فعلٍ على الإطلاق، وكأن روحه قد غادرت جسده تماماً. نظر إليها بنظرةٍ فارغة، نظرةٍ لا تحمل عتاباً ولا كراهية، بل تحمل "عدماً"، ثم استدار بصمتٍ وهدوءٍ مخيف، ورحل.
لقد مات الشاب الذي كان يحلم بالحب في تلك اللحظة، وولد مكانه "الوحش" الذي سيغزو العالم بأحزانه، الفنان الذي سيغني للناس عن الوجع لأنه صار الوجع نفسه.
عاد من غياهب ذكرياته إلى مرارة الحاضر. وقف، وغادر منزله القديم بخطىً مثقلة، واتجه نحو المكان الوحيد الذي يشعر فيه بالانتماء: المقابر. وقف أمام قبر والده وقبر والدته، وفي تلك اللحظة، تحطمت كل حصونه؛ انهار كأنه طفلٌ فُقد في الزحام، وانفجر في بكاءٍ مريرٍ صامت، بكاءٍ يسكنه وجع السنين.
ظل يبكي حتى خارت قواه، فسقط على ركبتيه فوق التراب، وبدأ يهمس بصوتٍ ممزقٍ يخرج من أعماق روحه: "أنا لا أعرف.. ولا أفهم.. ولا أشعر بشيء. ظننتُ أن الأموال هي الحل، اعتقدتُ أن النجاح سيعوضني عما فقدت، لكنه لم يفعل.. بل زادني وحشة".
رفع رأسه نحو السماء وعيناه تفيضان بالدموع وأكمل: "كم تمنيتُ أن تعيشا معي هذا النجاح، أن تشهدا كيف صار ابنكما الذي كان يُضرب ويُهان حديث العالم. أنا أعلم الآن.. أعلم أنكما كنتما تحباني بطريقتكما القاسية، وأن ضغوط الحياة اللعينة هي التي أجبرتكما على معاملتي هكذا.. لقد غفرتُ لكما كل شيء، لكنني لا أستطيع مغفرة بقائي هنا وحيداً".
أغمض عينيه ويده تلمس تراب القبرين، واختتم صرخته المكتومة: "لا أريد مالاً.. ولا أريد شهرة.. ولا أريد هذا العالم كله.. كل ما أريده حقاً هو أن أكون معكما الآن".