ظلال خلف المايك - الفصل العاشر - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: ظلال خلف المايك
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل العاشر

الفصل العاشر

بدأ اسمه يتردد في الأرجاء، واستقرت أحواله المادية قليلاً، لكنها لم تكن كافية لمواجهة نوائب الدهر. وفي يومٍ كئيب، سقطت والدته مغشياً عليها داخل المنزل. اندفع بها والذعر ينهش قلبه إلى أقرب مستشفى، وبعد انتظارٍ مرير، خرج الطبيب بملامح واجمة قائلاً: "والدتك تعاني من مرض خطير، وهي بحاجة لعملية جراحية عاجلة خلال أسبوع واحد، وإلا فقدنا الأمل.. لكن تكلفتها باهظة جداً". ​ضاق به الكون بما رحب، فهو لا يملك من حطام الدنيا ما يغطي ثمن هذه النجاة. ذهب إلى حبيبته، الشخص الذي ظن أنه "سكنه"، وقال لها بصوتٍ مخنوق: "سأبيع جهاز الحاسوب والميكروفون.. سأبيع حلمي الوحيد ومعداتي لأنقذ أمي، فهي كل ما تبقى لي". ​لكن الرد جاء كطعنة مسمومة لم يتوقعها؛ إذ نظرت إليه ببرود وقالت: "لا تفعل ذلك! هي لا تستحق تضحيتك، وعلى أي حال هي في أيامها الأخيرة وسوف تموت، لا تضيع مستقبلك الفني وتدمر حلمك الذي بنيناه من أجل امرأة لم تمنحك سوى الألم!". ​في تلك اللحظة، لم يرَ أمامه الحبيبة، بل رأى شيطاناً يحثه على بيع أغلى ما يملك. وبلا وعي، انفجر بركان غضبه فصفعها صفعةً دوت في المكان، وصاح بصوتٍ زلزل كيانها: "كيف تجرؤين على قول هذا عن أمي؟ أحلامي ومستقبلي والعالم كله لا يساوي نظرة واحدة من عينيها!". ​تركها وخلفه قلبه الذي انكسر للمرة الثانية، لكن هذه المرة كان الانكسار مختلفاً؛ فقد أدرك أن الشخص الذي ائتمنه على جراحه، كان أكثر قسوة من الجراح نفسها. عرض معداته للبيع، تلك المعدات التي كانت في نظره كنزاً لا يقدّر بثمن، لكنه اصطدم بواقعٍ مرير؛ فقد رآها الجميع مجرد قطع بالية لا قيمة لها. من وافق منهم على الشراء، قدّم مبلغاً زهيداً لا يقترب حتى من عتبة تكاليف العملية الجراحية. ​مرّ الأسبوع كأنه دهرٌ من الجمر. ركض في كل اتجاه، طرق كل الأبواب، وتوسل لكل من يعرفه، لكن المحاولات كلها باءت بالفشل؛ فالدنيا حين تُدبر، تُغلق في وجه المرء حتى ثقوب الإبر. عاد بخفي حنين وجلس بجوار فراش والدته، والدموع تحفر مجاريها على وجنتيه، لم يكن يملك سوى كلمة واحدة يكررها بنشيجٍ يقطع القلب: "أنا آسف.. سامحيني يا أمي.. أنا آسف". ​في تلك اللحظة الأخيرة من عمرها، استجمعت والدته بقايا قوتها وأمسكت بيده المرتجفة، وقالت بصوتٍ واهن يملؤه الندم: "بل أنا الآسفة يا بني.. لم أكن يوماً أماً صالحة لك، سامحني أنت يا قطعةً من روحي". ​وقبل أن يرتد إليه طرفه، وقبل أن ينطق بكلمة عفوٍ واحدة، تراخت قبضة يدها، وسكن جسدها، وانقطع أنينها إلى الأبد. تجمدت الكلمات في حلقه، وصمت العالم من حوله، وترك دموعه هي الوحيدة التي تتحدث بمرارة لا توصف. لقد رحلت، ورحل معها آخر خيطٍ يربطه بالحياة، ليجد نفسه وحيداً تماماً، بلا أب، بلا أم، بلا حبيبة، وبلا حلم.