الفصل التاسع
مرت الأشهر، ودار الزمان دورته حتى استقر والده على فراش الموت، يصارع أنفاسه الأخيرة. في تلك اللحظة التي تذوب فيها الكبرياء، نظر الأب إليه بعينين يملؤهما الندم وقال بصوتٍ متهدج: "أنا آسف يا بني.. لم أكن أباً صالحاً لك، وأعرف أن اعتذاري الآن لن يعوضك عن أي شيء".
لم ينطق بكلمة واحدة، كان الصمت سيد الموقف، لكن دموعه كانت تحكي قصصاً من القهر لم تروَ بعد. ظل ممسكاً بيد والده بقوة، وكأنه يحاول التشبث بتلك العلاقة التي لم تبدأ أصلاً، حتى خرجت الروح إلى بارئها بين يديه.
غرق في حزنٍ غريب ومبهم؛ لم يدرِ هل يبكي على والده الذي رحل، أم يبكي على "الأب" الذي تمنى أن يملكه يوماً ولم يجد منه سوى الضرب والقسوة؟ كان يحزن لأنه لا يملك ذكرى واحدة جميلة يودع بها جسد أبيه.
وفي تلك اللحظة، حاولت حبيبته مواساته، لكنها لم تدرك تعقيد جرحه، فقالت: "لا تحزن.. هذا الرجل لا يستحق دموعك، لقد أذاقك المر لسنوات".
كأن كلماتها كانت عود ثقاب ألقي في خزان وقود، فانتفض وصرخ فيها بجنون: "لا تقولي هذا عن أبي! لا تتدخلي فيما أشعر به، مهما كان، هو أبي في النهاية!".