ظلال خلف المايك - الفصل الثامن - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: ظلال خلف المايك
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الثامن

الفصل الثامن

بدأ صدى أغانيه يتردد في أرجاء منطقته، وأخذت كلماتُه تتسلل إلى القلوب، لكنه لم يكن يكترث للشهرة أو يسعى إليها؛ كل ما كان يصبو إليه هو أن "يُفهم" عما يعانيه. وفي يومٍ، وبينما كان عائداً بخطىً مثقلة، استوقفته فتاةٌ في مثل عمره تقريباً، وبادرتُه بسؤالٍ مباشر: "أنت هو صاحب تلك الأغاني، أليس كذلك؟". ​أجابها بهدوء: "أجل، أنا هو". قالت وعيناها تلمعان بتقديرٍ صادق: "أنا معجبةٌ جداً بأسلوبك في الكتابة، وبصدقك في الغناء". تمتم بكلمة "شكراً" وهو يهمُّ بالانصراف، كعادته في الهروب من المواجهات، لكنها استوقفته بسرعة قائلة: "لحظة! هل يمكنني أن أستمع لشيءٍ جديد من أعمالك؟". ​تردد قليلاً، ثم وافق. جلسا معاً جنباً إلى جنب، في هدوء المكان، يقتسمان سماعات الأذن. انساب اللحن والكلمات بينهما، وبعد أن انتهت الأغنية، نظرت إليه بعمق وقالت: "إنها رائعة حقاً". شعر بشيءٍ من الدفء يسري في قلبه للمرة الأولى، وقال: "يسعدني أنها نالت إعجابكِ". وقبل أن يرحل، فاجأته بسؤالٍ لم يعتد سماعه: "هل سأراكَ مجدداً؟ لمَ لا نلتقي غداً في المكان ذاته؟". ​أصبح ذلك اللقاء اليومي هو المحور الذي تدور حوله حياته؛ صار ينتظر تلك اللحظة بفارغ الصبر، يعدُّ الساعات والدقائق ليرى وجهها الذي أصبح نافذته الوحيدة على السعادة. كانا يلتقيان في المكان ذاته، يقتسمان الألحان والأحاديث، ويستمعُ إلى آرائها في كلماتِه وكأنها "المُلهمة" التي يكتبُ لأجلها. ​ولأول مرة في حياته، كسر حصون صمته؛ فتح لها قلبه وحكى لها عن "الرجل العملاق"، وعن قسوة والده، وعن جراح طفولته التي لم تندمل. وجد فيها الصدر الحنون الذي يواسي أنينه، ورأى في عينيها تعويضاً إلهياً عن كل الحرمان والوحدة والظلم الذي ذاقه. لقد صارت هي "المأوى" الذي يهرب إليه من عواصف حياته. ​وفي لحظة صدقٍ جارفة، لم يستطع قلبه كتمان المزيد، فاعترف لها بحبه.. وبنبضاتٍ متسارعة بادلته هي المشاعر ذاتها. في تلك الليلة، لم يعد يرى العالم مظلماً، فقد صارت هي الجزء الأكبر من كيانه، والنور الذي يبدد عتمة أيامه، والسبب الذي يجعله يستيقظ كل صباح وهو يشعر -لأول مرة- بأنه "إنسان" محبوب.