الفصل السابع
وحين وصل إلى عتبة المرحلة الجامعية، وظن أن العلم سيكون طوق نجاته من هذا الجحيم، صدمه والده بقرارٍ كالصاعقة: "لن تذهب إلى الجامعة!".
سأل بذهول وقلبٍ يكاد يتوقف: "ولكن لماذا؟".
أجاب الأب ببرود: "لا نستطيع تحمل تكاليفها".
تمسك ببصيص الأمل وقال بصوتٍ يرتجف: "سأتكفل بها بنفسي، سأعمل ليل نهار لأدفع مصاريف دراستي!".
لكن الأب حسم الأمر بقسوة لا تعرف اللين: "قلتُ لا.. لن تذهب!".
تركه والده وسط حطام أحلامه التي تآكلت أمام عينيه، وأُجبر على العودة إلى العمل الشاق كل يوم، ليجد نفسه محاصراً وسط بيئة من الجهل، يكدح مع أشخاصٍ صار يشبههم في الشقاء، وإن كان يختلف عنهم بقلبه الذي ينزف طموحاً.
وفي يومٍ من الأيام، وبينما كان يغرق في تعبه المعتاد، تناهت إلى مسامعه أغنية حزينة.. كانت الكلمات تصف جزءاً من أوجاعه، واللحن يلمس جروحاً لم يجرؤ على كشفها لأحد. ومنذ تلك اللحظة، صار يلوذ بهذا النوع من الموسيقى، يتخذها رفيقاً في ساعات العمل المضنية، وكأن تلك الألحان هي اللغة الوحيدة التي تفهم صمته وتحكي للعالم ما يعجز عن قوله.
انغمس في عالم تلك الموسيقى حتى وصل لمرحلة الإدمان، لم يعد يكتفي بسماع الأغاني، بل صار يعيش بداخلها، يجد في كل بيتِ شعرٍ صدىً لأنات قلبه، وفي كل لحنٍ ملاذاً من واقعٍ يخنقه.
وفي ذات يوم، شاهد لقاءً متلفزاً مع أحد المغنين، كان يتحدث بصدقٍ عن أن فنه ليس سوى مرآة لما يشعر به، وأنه يكتب ليتحرر. في تلك اللحظة، لمعت في عقل بطلنا شرارة التغيير؛ فقرر أن يمسك القلم لأول مرة.
بدأ يكتب كل ما يعجز لسانه عن النطق به، سكب على الورق صرخاته المكتومة، وأحلامه الموءودة، ورغبته في الحب والسكينة التي لم يعرفها يوماً. وجد في تلك السطور حريته المسلوبة، وصارت الورقة هي المساحة الوحيدة في هذا العالم التي لا يستطيع والده أو "العملاق" أن يمارسوا فيها سطوتهم عليه. لقد وجد أخيراً "المنفذ" الذي يتنفس منه، وصارت الكلمات هي سلاحه السري لمواجهة جيوش الاكتئاب التي تحاصره.
بدأ يقتطع أجزاءً صغيرة من أجره الزهيد، يخفيها بعيداً عن أعين والده وكأنه يخبئ كنزاً محرماً. كان يحرم نفسه من أبسط احتياجاته ليجمع ثمن حلمه؛ حتى تمكن أخيراً من شراء جهاز حاسوب متهالك وميكروفون بسيط لا يكاد يُذكر.
بالنسبة للعالم، لم تكن تلك المعدات سوى خردة متواضعة، أما بالنسبة له، فقد كانت أعظم إنجازٍ حققه في حياته؛ كانت مملكته الخاصة التي بناها من دمه وأعصابه. وفي غرفته المظلمة، وضع الميكروفون أمامه، وأخرج تلك الأوراق التي سكب فيها وجعه، وبدأ يسجل كلماته لأول مرة.
كان صوته يرتجف في البداية، ليس خوفاً، بل من هول المشاعر التي كانت تنفجر مع كل جملة ينطقها. لم يكن يغني للمجد، بل كان يصرخ في وجه الظلم، ويسجل أنات طفلٍ ظُلم، وشابٍ كُسر حلمه. ومع كل نبضة مسجلة، كان يشعر أن جزءاً من الثقل الجاثم على صدره بدأ ينتقل إلى ذلك الجهاز الصغير، ليعلن للعالم أن هناك روحاً تأبى الانكسار خلف هذا الصمت الطويل.