ظلال خلف المايك - الفصل السادس - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: ظلال خلف المايك
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل السادس

الفصل السادس

تزايدت الشائعات وتضاربت الأقاويل حول اعتزاله، لكنه لم يعطِ الأمر ذرةً من اهتمامه؛ فقد غادر "السجن الذهبي" (قصره الكبير) وعاد ليرتمي في أحضان منزله القديم. حبس نفسه داخل غرفته الضيقة، غارقاً في صمته، تلتهمه الذكريات التي بدأت تتدفق كنزيفٍ لا ينقطع.... ​الماضي (فلاش باك): بعد يومٍ طويل من العمل الشاق تحت وطأة ضربات "الرجل العملاق" وعصاه الغليظة، عاد الطفل الصغير إلى منزله ليلاً والوهن ينهش جسده النحيل. وبدلاً من أن يجد حضناً يواسي أوجاعه، استقبله صوت والده ووالدته وهما يتبادلان الصراخ والشتائم كالعادة. ​تسلل إلى غرفته باحثاً عن ذرة راحة في النوم، لعل الأحلام تكون أرحم من الواقع. لكن الباب انفتح بعنف، ودخل والده والغضب يتطاير من عينيه، وصاح فيه بنبرة تخلو من أي رحمة: "لماذا لم تخبرني أنك عدت؟ أم أنك تريد إخفاء المال عني؟". ​وبلا مقدمات، انهال الأب عليه بضربٍ وحشي، ضربٍ لم يفرق بين جسده الغض وبين قسوة الجدران. لم يكن يراه ابناً، بل يراه "آلة" لجلب المال. وفي النهاية، سلب منه قروشه القليلة التي غمسها بعرقه ودمه، وتركه ملقىً على الأرض يئن، لم يتركه حياً حباً فيه، بل تركه ليعيش فقط كي يستيقظ في الصباح التالي، ويكدح ليجلب له المال مرة أخرى. كبر هذا الطفل في غابةٍ من القسوة، يرى العذاب بألوانه وأشكاله كافة. كان يتساءل في سكون ليله: "ما ذنبي في كل هذا؟ ولماذا أُعامل كأنني عبءٌ على الوجود؟". كان يراقب الصغار من بعيد وهم يركضون ويلعبون، فيغصّ بحلقه سؤالٌ مرّ: "ألا أستحق أن أعيش مثلهم؟". ​كلما حاول اللجوء إلى حضن أمه، كانت تنهره وتصده ببرود، أما والده، فقد اتخذ من جسده الهزيل "كيس ملاكمة" يفرغ فيه غضبه وفشله كل ليلة. ومع ذلك، وبشكلٍ يثير العجب، لم يكرههما يوماً؛ كان قلبه الصغير يفيض بحبٍ غير مشروط لهما، حبٍ لم يجد يداً تمسح عليه أو صدراً يحتويه. ​وعلى الرغم من هذا الجحيم اليومي، كان يسطع في مدرسته كشهابٍ في ليلٍ دامس. كان من أذكى الطلاب، يتفوق ببراعة تذهل معلميه؛ فرغم ضيق الوقت، وكثرة الأشغال الشاقة التي كانت تستهلك طفولته، إلا أنه كان يذاكر بجدية منقطعة النظير، وكأن الكتب كانت هي نافذته الوحيدة التي يرى منها بصيص أملٍ في عالمٍ لا يعرف الرحمة.