ظلال خلف المايك - الفصل الخامس - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: ظلال خلف المايك
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الخامس

الفصل الخامس

فقد الأمل تماماً، واستسلم لظلمة حياته التي تزداد عتمة يوماً بعد يوم. كان يذهب للحفلات، يقف أمام الآلاف، يصرخ بما يشعر به في ألحانه، لكن أحداً لم يكن يهتم بالنزيف خلف الصوت؛ فالكل يرى "الفنان" المبهر، ولا أحد يبصر "الإنسان" المحطم. ​من حينٍ لآخر، كان يتردد على عيادة طبيب نفسي، لكنه لم يفتح قلبه يوماً بحرية؛ فقد كان يرى الجميع -حتى الأطباء- يتاجرون بأحزان البشر مقابل المال. كان يشعر بوحدة قاتلة حتى وهو في زحام الجماهير، كأنه جزيرة منعزلة في محيط من الصخب. ​مع كل صباح يشرق، كان يشعر أن قطعةً من روحه تذبل وتفقد، الظلمة تتمدد، والجسد يثقل كأنه يحمل الجبال. لم تكن الملايين تغريه، ولا الشهرة تعوضه؛ فكل ما تمناه كان بسيطاً لدرجة المستحيل: أن يعيش طفولة طبيعية لم تُسلب منه، أن يجد حباً حقيقياً لا غرض فيه، وأن يحظى بأصدقاء يفتقدون "هو" لا يفتقدون "نجوميته".. لكنه أدرك بمرارة أن هذه الدنيا قد تكون ظالمة لأبعد الحدود. وفي يومٍ لم يكن كغيره، انفجر خبرٌ صاعق زلزل أركان البلاد وأذهل القاصي والداني: "أشهر فنان في جيلنا الحالي يقرر اعتزال عالم الفن والغناء بلا رجعة". سعت مئات القنوات والصحف جاهدةً لمعرفة السبب الكامن وراء هذا القرار الانتحاري في قمة المجد، لكنه أغلق بوجههم كل الأبواب، رافضاً مقابلة أي أحد أو الإدلاء بأي تصريح. ​بينما كانت هي جالسة في هدوء غرفتها، اقتحمت ابنة عمها المكان صائحة بذهول: "هل سمعتِ ما حدث؟". سألتها ببرود: "ماذا حدث؟". أجابتها بلهفة: "حبيبكِ الغامض! لقد اعتزل الفن تماماً!". ردت بنبرة حادة: "قلتُ لكِ لا تقولي حبيبي.. ثم كيف يترك عالماً هو ملكه الآن كما تقولين؟". أكملت ابنة عمها: "هذا ما أدهش الجميع! لقد أصبح حديث الشارع والبيوت، لا أحد يفهم لماذا يرمي كل هذا المجد وراء ظهره!". ​سكتت هي قليلاً، ثم قالت بنبرة ملؤها الشك: "ربما هي مجرد حيلة من حيل الفنانين، يريد أن يتصدر 'التريند' ويجعل من نفسه حديث الساعة ليزيد من شهرته". قاطعتها ابنة عمها بتساؤل منطقي: "ولماذا يفعل ذلك وهو في الأصل حديث الناس؟ ولماذا الآن وهو في قمة ذروته؟".