الفصـــــــل الثالث
••𝓣𝓱𝓮 𝔀𝓻𝓲𝓽𝓮𝓻 𝓐𝓻𝓲𝓭𝓳••
꧁꧂
꧁꧂
꧁꧂
توقّفت العربة أخيرًا أمام ذلك المنزل الفخم الذي بدا أقرب إلى قصرٍ عتيقٍ تتوارثه العائلات النبيلة جيلاً بعد جيل. كانت واجهته الشاهقة تقف في هيبةٍ تحت ضوء المساء الخافت، ونوافذه الطويلة تلمع كأنها عيون تراقب العالم بصمتٍ بارد.
دفعت إليزابيث باب العربة بنفسها على عجل، وما إن وطئت قدماها الأرض حتى أسرعت بخطواتٍ متلاحقة نحو الداخل، وكأنها تهرب من شيءٍ يلاحقها. عبرت الردهة الواسعة دون أن تلتفت للخدم ، ثم صعدت الدرج الرخامي بخفةٍ مرتبكة حتى بلغت جناحها.أغلقت باب غرفتها خلفها، وأسندت ظهرها إليه للحظة وهي تلتقط أنفاسها، قبل أن تتجه نحو فراشها الكبير وتلقي بنفسها بين أحضان الملاءات الحريرية الناعمة.كانت تشعر بصداعٍ خفيف إثر تلك الضربة القوية التي تلقتها في وقتٍ سابق، لكن ما أثقلها حقًا لم يكن الألم...بل ذلك الاضطراب الغريب الذي يعصف بقلبها منذ لقائها بذلك الطبيب المجهول.
أغمضت عينيها، وعدّلت وضعيتها قليلًا فوق الوسادة، ثم استسلمت لنومٍ عميق أخذها بعيدًا عن كل شيء.
في الجهة الأخرى من المدينة،كان جاك يغادر منزل أحد مرضاه بعد أن أنهى فحصه ووصف له بعض الأدوية التي ستساعده على التعافي من سقمه .
وقف عند الباب للحظات، ثم مشى عائدا الى شقته...سيعود بمفرده فقد اخبر السائق بأن لا ينتظره كان يفضّل المشي وحده. يجد في خطواته البطيئة نوعًا من السكينة التي تعجز الأماكن الصاخبة عن منحها له.
سار في الشارع الحجري بخطواتٍ متأنية، واضعًا يديه داخل جيبي معطفه الأسود، بينما كانت عيناه تتنقلان بين وجوه المارة تارة، وتغرقان في شرودٍ بعيد تارة أخرى.تنهد بخفة عندما تذكر ما حدث اليوم.لكن، وعلى الرغم من ذلك، ارتسمت ابتسامة صغيرة فوق شفتيه دون إرادة منه.
ذلك الحادث الغريب...قاده إلى لقاء فتاةٍ بدت وكأنها إحدى المعجزات التي خُلقت صدفةً على هيئة إنسانة.
كانت جميلة بصورةٍ غير مألوفة.
واصل السير، غير مدركٍ أن عقله قد توقف عند صورةٍ واحدة فقط...ملامحها.
وصل أخيرًا إلى الفندق الذي يستأجر فيه شقته الصغيرة. دفع الباب الخشبي ودخل، ثم صعد الدرج العتيق حتى بلغ غرفته.
فتح الباب، وأغلقه خلفه بهدوء، ثم نزع معطفه وألقاه فوق المقعد القريب، قبل أن يخلع حذاءه ويرتمي فوق السرير بتعب.
أغمض عينيه.لكن أفكاره لم تتركه وشأنه.كانت تقوده، في كل مرة، إلى المكان ذاته...إلى إليزابيث.
استيقظت إليزابيث على صوت سوزي وهي تناديها من خلف الباب/آنستي... إليزابيث؟
فتحت عينيها ببطء، ثم نهضت مترنحة واتجهت نحو الباب قبل أن تفتحه قائلة بصوتٍ يملؤه النعاس/ماذا هناك؟
قالت سوزي /السيد والسيدة ينتظرانك على مائدة العشاء.
اتسعت عينا إليزابيث فجأة، وهمست بصدمة/يا إلهي...هل نمت كل هذا الوقت؟
ثم أضافت بسرعة/حسنًا، سأغير هذه الملابس وأنزل فورًا.
بعد دقائق قليلة، كانت تغادر غرفتها مسرعة، تهبط الدرج بخطواتٍ خفيفة حتى وصلت إلى غرفة الطعام.
اتجهت نحو مقعدها المعتاد وجلست بهدوء، بينما رفع والدها نظره إليها مبتسمًا وسألها/أين ذهبتِ اليوم يا عزيزتي؟
توترت ملامحها للحظة، ثم أجابت وهي تحاول أن تبدو طبيعية/أنا...لم أذهب إلى أي مكان مهم، فقط إلى متجر الكتب مع سوزي.
ابتسم مايكل برضا، ثم قال بنبرةٍ هادئة/إذن...زفافك الأسبوع المقبل.
تصلبت ملامحها قليلًا، وهمهمت بانزعاج خافت/أمم...
خفضت بصرها نحو طبق الحساء أمامها، وراحت تحرك الملعقة بشرودٍ ذهابًا وإيابًا دون أن تتذوق شيئًا.
لم تكن تشعر بالجوع....بل كانت تشعر وكأن شيئًا ثقيلًا يجثم فوق صدرها ويمنعها حتى من التنفس.
قالت والدتها ماري بحدةٍ خفيفة/لا تعبثي بالملعقة إن كنتِ لن تأكلي.
توقفت إليزابيث عن الحركة، ثم وضعت الملعقة بهدوء، وقد بدأ صبرها ينفد شيئًا فشيئًا.
استأذنت والدها بصوتٍ منخفض، ثم غادرت غرفة الطعام قبل أن يلاحظ أحد ذلك الاختناق الذي ينهش روحها.عادت إلى غرفتها بخطواتٍ بطيئة، واتجهت نحو الشرفة.فتحت الباب الزجاجي وخرجت إلى الشرفة الرخامية البيضاء.
كان الليل ساكنًا بصورةٍ ساحرة،النجوم تتلألأ فوق صفحة السماء السوداء، والقمر بدا كجوهرةٍ فضية موضوعة بعناية داخل محارةٍ مظلمة.
أغمضت عينيها للحظة عندما لامست النسائم الباردة وجهها، فارتجف جسدها برقة.استدارت بعدها وعادت إلى الداخل، أغلقت باب الشرفة، ثم عادت إلى فراشها واستسلمت لنومٍ آخر، هربًا من أفكارها التي لم تتوقف عن مطاردتها.
أشرقت الشمس في صباح اليوم التالي، وتسللت خيوطها الذهبية من نافذة الغرفة لتستقر فوق ملامحه الوسيمة.
تأفف جاك بانزعاج خافت، ومد يده نحو الوسادة ليضعها فوق وجهه محاولًا حجب الضوء.كان يريد بضع دقائق إضافية من النوم،فاليوم يوم عطلته، ولن يفتح العيادة إلا إذا استدعت الضرورة ذلك.
ظل يحاول العودة للنوم لعدة دقائق، لكنه فشل أخيرًا.
أبعد الوسادة عنه بضيق، ثم نهض من فراشه واتجه نحو الحمام.غسل وجهه بالماء البارد، ثم رفع بصره نحو المرآة...ظل ساكنا لثوانٍ طويلة.لم يكن يتأمل ملامحه.بل كان يرى انعكاس وجهٍ آخر داخل ذاكرته...
وجه تلك الحسناء التي التقاها بالأمس.عقد حاجبيه بخفة.
لا يفهم لماذا لم تغادر أفكاره...يرى مئات النساء كل يوم، فلماذا بقيت هي وحدها عالقةً في ذهنه؟
أشاح بنظره عن المرآة ساخرًا من نفسه، ثم تنهد بخفة محاولًا التناسي.غير ملابسه، ثم غادر شقته متجهًا إلى الشارع.
سار على الرصيف حتى وصل إلى المقهى الذي اعتاد احتساء قهوته الصباحية فيه.دخل بهدوء، وطلب قهوته المعتادة، ثم جلس في زاويته المعروفة.
بعد دقائق، وُضع أمامه فنجان قهوةٍ سوداء داكنة يتصاعد منه البخار.رفع الفنجان الأبيض وارتشف منه ببطء، بينما كانت عيناه شاردتين في اللاشيء.
أنهى قهوته، ثم أخرج محفظته ووضع ثمنها فوق الطاولة وغادر المقهى، ليكمل سيره دون وجهةٍ محددة.وكأن قدميه وحدهما تعرفان الطريق.
على غير عادتها، استيقظت إليزابيث باكرًا في ذلك الصباح.فركت عينيها سريعًا، ثم نهضت من فراشها بحماسٍ خفي.اتجهت إلى الحمام، وبعد أن انتهت، أسرعت نحو خزانتها وأخرجت فستانًا بنيًا بسيطًا بأكمامٍ بيضاء واسعة عند المعصم....كانت تشتري هذه الفساتين خلسةً عن والدتها.فهي تحتاجها في الأيام التي تتسلل فيها خارج القصر بعيدًا عن القيود.
ارتدت الفستان بسرعة، ثم انتعلت حذاءها وصففت شعرها بعناية، قبل أن تضفره وتزينه بمشبكٍ ذهبي بسيط.اقتربت بعدها من النافذة وفتحتها بحذر.
وقفت فوق الحافة، ومدت يدها لتتشبث بغصن الشجرة القريب، ثم تحركت بحذر حتى وصلت إلى الجذع وانزلقت بهدوء نحو الأرض.
ركضت نحو الباب الخلفي، وما إن ابتعدت قليلًا حتى التفتت خلفها وضحكت بخفة، شاعرةً بانتصارٍ طفولي صغير.لكنها ما إن استدارت مجددًا حتى اصطدمت بشخصٍ ما.
تراجعت للخلف بسرعة، ثم رفعت رأسها نحوه...وكان هو...
جاك
قالت بسرعة وقد اتسعت عيناها/أعتذر...
ابتسم جاك بخفة وقال/لا عليكِ...أنا أيضًا كنت شاردًا ولم أنتبه.
ارتسمت ابتسامة صغيرة فوق شفتي إليزابيث، وقبل أن تتابع طريقها، قال جاك وهو يتأمل هيئتها المختلفة/تبدين مختلفة عن الأمس.
ضحكت بخفةٍ صافية وقالت/تقصد الفستان والمجوهرات؟
ثم أضافت /إنها مجرد أعباء أتخلص منها في يوم التسلل.
رفع حاجبه بإستغراب/يوم التسلل؟
أومأت برأسها وقالت بحماس طفولي/في هذا اليوم أغادر المنزل دون علم أحد، وأفعل كل ما لا أستطيع فعله عادةً.
سألها جاك بنبرةٍ هادئة/ألن يسألوا عنك؟
أجابت بثقة/هناك سوزي...الفتاة التي رأيتها معي بالأمس. ستخبرهم أنني ذهبت إلى المكتبة.
أومأ جاك بتفهم، ثم ارتسمت فوق شفتيه ابتسامة خفيفة وقال/إذن لا تضيعي هذا اليوم.
ثم مد يده نحوها وأضاف/هيا...سأريكِ مكانًا مميزًا.
ترددت لثانيةٍ قصيرة فقط، قبل أن تضع يدها في يده.
وفي اللحظة التالية، كانا يركضان معًا بين الأزقة الضيقة، يضحكان كطفلين هاربين من قوانين العالم.
ابتعدا شيئًا فشيئًا عن المباني الحجرية والمنازل المزدحمة، حتى صارا وسط الحقول الخضراء الممتدة تحت ضوء الشمس.
كانت أنفاس إليزابيث تتسارع وهي تركض خلفه، قبل أن تسأله وهي تلهث بخفة/ألم نصل بعد؟
التفت إليها جاك مبتسمًا وقال/لم يتبقَّ الكثير.
وبعد لحظاتٍ أخرى...
وصلا.
كانت المياه تنساب بين الصخور بلحنٍ عذب، مشكلةً نهرًا يفصل بين ضفتين خضراوين.
وعلى إحدى الضفتين، وقفت شجرة ضخمة باسقة، تبسط ظلها فوق المكان كأنها تحرسه منذ مئات السنين.وبجانبها استقرت صخرة متوسطة الحجم يغمرها ضوء الشمس.
أفلت جاك يدها ببطء، ثم قال وهو ينظر إليها/وها قد وصلنا.
اتسعت عينا إليزابيث بإعجابٍ حقيقي، وهمست/المكان...رائع.
سارا بهدوء نحو ضفة النهر، وانعكست صورتهما فوق المياه الشفافة التي تتحرك برقة.تبادلت أعينهما نظرة قصيرة.
ثم فجأة...
ابتسمت إليزابيث بمكرٍ طفولي، ودفعت جاك نحو الماء لكنه أمسك بيدها بسرعة، لتسقط معه داخل النهر.
ارتفعت ضحكاتهما في المكان كأنها موسيقى عذبة لم تعرف الحزن يومًا.
راح كلٌّ منهما يرشق الآخر بالماء وسط ضحكاتٍ متواصلة، بينما كانت أشعة الشمس تنعكس فوق قطرات الماء المتطايرة كحبات ألماس صغيرة.
ولأول مرة منذ زمنٍ طويل...كانت إليزابيث سعيدة حقًا.نست زفافها،ونست القصر الذي بدا لها دومًا كسجنٍ ....وكأن القدر، وللمرة الأولى، قد أرسل إليها شخصًا خُلق فقط ليمنحها شيئًا واحدًا...
ذكرى جميلة تهون اوجاع قلبها المتعب.