الساعه التي لم تتوقف
كان الليل في المدينة لا يشبه أي ليل آخر، كأنه لا يأتي ليغطي العالم بالهدوء بل ليكشف ما يختبئ تحت الجلد.
في الطرف الفقير من المدينة، حيث الأزقة ضيقة والأنوار خافتة، كانت تعيش “ليان”؛ فتاة لا تملك من الدنيا سوى أم مريضة وقلب متعب، وابتسامة تحاول أن تُقنع نفسها بها كل يوم. تعمل في مقهى صغير، ترتدي نفس الزي الباهت، وتعود آخر الليل بخطوات سريعة كأنها تهرب من شيء لا تراه.
وفي الطرف الآخر من المدينة، حيث الزجاج يلمع والسيارات السوداء تمر بلا صوت، كان يعيش “آدم”. رجل لا يُشبه أحدًا. طويل بشكل لافت، نحيف لكن حضوره يملأ المكان، ملامحه هادئة أكثر من اللازم، وابتسامته قصيرة لكنها كافية لتجعل من يقف أمامه ينسى ما كان يريد قوله. رجل أعمال شاب، اسمه يتكرر في الأخبار، لكن لا أحد يعرفه حقًا. يقولون عنه إنه “بارد”، ويقول آخرون إنه “لا يخطئ أبدًا”.
لكن الحقيقة أن آدم كان يعيش داخل صمت كبير، صمت لا يقطعه إلا ذكريات لا يحبها.
في تلك الليلة تحديدًا، تغير كل شيء.
خرجت ليان من عملها متأخرة. المطر كان خفيفًا لكن الشوارع كانت أكثر ظلمة من المعتاد. هاتفها لا يعمل، وحقيبتها بالكاد تحتوي على أجرة الحافلة. كانت تمشي بسرعة عندما توقفت سيارة سوداء عند طرف الطريق.
لم تنزل النافذة بالكامل، فقط انفتح جزء صغير منها.
“اركبي.”
قالها صوت هادئ، ليس فيه أمر مباشر ولا رجاء. فقط ثقة مزعجة.
تراجعت خطوة للخلف.
“لا… ما أعرفك.”
صمت لثانية. ثم قال:
“أنا أعرفك.”
لم تفهم. ولم تنتظر لتفهم. ركضت.
لكن شخصًا آخر ظهر من الخلف، خطواته أسرع من خوفها، وقبل أن تصل إلى نهاية الزقاق، كانت السيارة قد أغلقت الطريق من الجهة الأخرى.
لم يكن هناك عنف واضح. لا صراخ. فقط نهاية مفاجئة للحركة، كأن العالم ضغط زر الإيقاف.
فتح الباب الخلفي.
“ادخلي، وما راح يصير لك شيء.”
هذه المرة كان الصوت أقرب. رأته.
كان هو.
آدم.
لم تكن تعرف اسمه، لكنها شعرت بشيء غريب… ليس خوفًا فقط، بل إحساس أن هذا الوجه سبق أن مرّ في حياتها بطريقة لا تتذكرها.
دخلت السيارة رغمًا عنها.
وانطلقت.
لم تكن “عملية اختطاف” كما تتخيلها العقول. لم تكن يد مربوطة أو فم مغلق. كانت حرية جسد محاصرة بأسئلة لا تُقال.
السيارة كانت صامتة. المدينة تختفي خلف الزجاج كلوحة باردة.
ليان كانت تتنفس بسرعة.
“ليش أنا؟ أنا ما سويت شي!”
آدم لم ينظر لها مباشرة. كان ينظر للطريق، وكأنه يحاول أن يهرب من سؤالها.
“أعرف.”
“إذا تعرف خلني أنزل!”
“ما أقدر.”
جملة واحدة فقط، لكنها كانت أثقل من أي قفل.
التفتت نحوه.
“أنت مجنون؟”
ابتسم. ابتسامة صغيرة جدًا… كأنها ليست موجهة لها بل لشيء داخلي.
“يمكن.”
صمت طويل.
ثم قال:
“أنتِ مو الهدف… أنتِ المفتاح.”
وصلوا إلى قصر بعيد عن المدينة، فوق تلة، تحيط به أشجار عالية وكأنها تخفيه عن العالم. من الخارج يبدو باردًا، من الداخل أكثر برودة.
لكن ما كان أغرب من المكان… هو أن لا أحد لمسها.
لا حراس يصرخون. لا قيود. فقط باب يُغلق بهدوء.
“تقدري تطلعي أي غرفة… إلا غرفة وحدة.”
ثم تركها.
هكذا ببساطة.
في الأيام الأولى، كانت ليان تحاول الهرب. مرة من الباب الخلفي، مرة من الحديقة، مرة حتى من النوافذ العالية. لكن دائمًا… كان هناك شيء يمنعها. ليس أشخاصًا. بل كأن المكان نفسه لا يسمح لها بالمغادرة.
وفي كل مرة تفشل، كانت تراه.
آدم.
واقف في الظل غالبًا، كأنه لا يريد أن يكون جزءًا من ما يحدث، لكنه لا يستطيع الابتعاد.
كان يتكلم معها أحيانًا.
ليس كخاطف… بل كأنها شخص يعرفه منذ زمن طويل.
“ليش أنا؟” كانت تسأله كل مرة.
وفي كل مرة يجيب نفس الجواب:
“لأنك الوحيدة اللي ما كان لازم أقابلها.”
مع الوقت، بدأت ترى شيئًا آخر فيه.
لم يكن رجلًا قاسيًا كما توقعت. كان صامتًا، نعم، لكن عينيه تحملان تعبًا أقدم من عمره. كان يضحك أحيانًا… ضحكة قصيرة، خفيفة، كأنها لا تعرف كيف تبقى.
وكان ينحف أكثر مع الأيام، كأن شيئًا يأكل داخله ببطء.
في إحدى الليالي، وجدته في الحديقة تحت المطر.
واقف وحده.
“أنت مريض؟” سألت فجأة دون تفكير.
التفت لها ببطء.
“كلنا مرضى بطريقة مختلفة.”
“أنا مش فاهمة شيء منك.”
اقترب خطوة.
“لو فهمتِ… راح تكرهيني.”
لكنها لم تبتعد.
وهنا حدث أول كسر حقيقي في كل شيء.
في صباح اليوم التالي، وصل رجلان إلى القصر. لم يكونا من الحراس. كانا من ماضيه.
سمعتهما ليان من بعيد.
“الموضوع خرج عن السيطرة يا آدم. لازم تنهيها.”
“ما أقدر.”
“هي مجرد أداة.”
صمت.
ثم صوت آدم، لأول مرة كان مختلفًا، أكثر حدة:
“هي إنسانة.”
ليان تجمدت.
بدأت قطع الصورة تتجمع داخل رأسها.
ليست مجرد فتاة فقيرة تم أخذها صدفة.
بل جزء من شيء أكبر.
شيء مرتبط باسم والدها… الرجل الذي مات في حادث قبل سنوات. الحادث الذي لم يُفسَّر.
خرجت تركض نحو الغرفة الممنوعة.
الباب كان مفتوحًا.
وكأن أحدهم كان ينتظرها.
دخلت.
وهناك… رأت كل شيء.
ملفات. صور. تقارير حادث. اسم والدها مكرر أكثر من مرة. واسم شركة واحدة في كل مكان.
شركة آدم.
لكن الأغرب… صورة لها وهي طفلة، واقفة أمام مبنى قديم، وبجانبها آدم نفسه… أصغر سنًا.
ارتجفت يدها.
“هذا مستحيل…”
صوت خلفها:
“مو مستحيل.”
آدم.
كان واقفًا عند الباب.
هذه المرة لم يكن هادئًا.
كان محطمًا.
“حادث أبوك ما كان حادث.” قالها ببطء.
“كان خطأ… وأنا كنت جزء منه.”
ليان لم تستوعب.
“أنت قتلت أبوي؟”
صمت طويل جدًا.
ثم قال:
“ما قتلته بيدي… لكني ما منعته يموت.”
اقترب خطوة.
“وأنا جبتك هنا مو عشان أخطفك… عشان أحميك.”
ضحكت ليان ضحكة قصيرة، مكسورة.
“تحميني؟ من إيش؟ منك؟”
هز رأسه.
“من اللي خلوني أسوي كل هذا.”
اتضح أن آدم كان يعيش تحت تهديد شركة ضخمة، شبكة فساد، رجال لا يرحمون. ليان كانت آخر خيط يربطه بالحقيقة… وبالذنب.
كانوا يريدونها وسيلة ضغط.
لكنه بدل أن يسلمها… أخذها بعيدًا.
“أنا كنت ناوي أرجعك من أول يوم.” قال بصوت منخفض.
“بس كل يوم كنت أضعف.”
“ليش؟”
نظر لها لأول مرة مباشرة.
“لأنك أول شيء حسّيت فيه إني مو وحش بالكامل.”
في تلك اللحظة، دوى صوت انفجار بعيد.
القصر اهتز.
بدأت الفوضى.
رجال اقتحموا المكان.
آدم أمسك يدها لأول مرة.
“لا تتحركي.”
لكنها سحبت يدها.
“أنا مو لعبة عندك.”
ابتسم رغم كل شيء.
“عارف.”
ثم دفعها نحو ممر سري.
“اخرجي… وعيشي.”
“وأنت؟”
لم يجب.
ركضت ليان عبر الممرات، بينما القصر خلفها يتحول إلى فوضى.
وعندما وصلت للنهاية، التفتت.
رأته آخر مرة.
واقف وسط الدخان.
ينظر لها.
ليس كخاطف.
بل كجنتل مان خسر كل شيء، لكنه اختار أن يخسر نفسه بدل أن يخسرها.
ابتسم لها ابتسامة أخيرة.
ثم اختفى خلف الانفجار.
مرت أشهر.
ليان عادت لحياتها، لكن شيئًا فيها لم يعد كما كان.
لم تعد تكره المطر.
ولا السيارات السوداء.
وفي كل مرة تمر بجانب زقاق مظلم… تشعر أن أحدًا كان هناك، يراقبها بصمت، ويتأكد أنها وصلت بسلام.
وفي ليلة من الليالي، وجدت ظرفًا تحت بابها.
بدون اسم.
داخله ورقة واحدة فقط:
“بعض الناس لا يُنقذون أنفسهم… لأنهم قرروا إنقاذك أنتِ أولًا.”
وتحتها… ساعة صغيرة توقفت عند نفس الوقت الذي اختفى فيه آدم.
لكنها كانت لا تزال تعمل بشكل خفيف جدًا… كأنها ترفض أن تموت تمامًا.
كأن شيئًا ما… لم ينتهِ بعد.