ظلال خلف المايك - الفصل الرابع - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: ظلال خلف المايك
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الرابع

الفصل الرابع

في تلك الأثناء، كانت هي لا تزال جالسة مع ابنة عمها، والدهشة لا تفارق ملامحها وهي تتصفح أخبار ذلك الشاب. قالت بذهول: "يا إلهي! إنه حقاً مشهور جداً!". ​ردت ابنة عمها بلهجة الواثقة: "إنه يعتبر أشهر فنان في جيلنا الحالي، والملقب بـ 'سيد الأحزان'، فهو أفضل من يكتب ويغني الكلمات الحزينة على الإطلاق". تمتمت هي بتساؤل: "حزينة؟". أكدت ابنة عمها: "أجل، معظم أغانيه، إن لم تكن كلها، يكسوها السواد والغموض. وهذا هو سر شهرته الطاغية؛ فهو يعرف تماماً ما يطلبه الجمهور، ويقدمه لهم في قالب فني مبهر". ​سرحت هي قليلاً، ثم سألت بصوتٍ خافت وكأنها تخاطب نفسها: "وماذا لو كان حزيناً بالفعل؟ ماذا لو لم يكن الأمر مجرد كلمات؟". ​ضحكت ابنة عمها بسخرية قائلة: "يا عزيزتي، هؤلاء المشاهير لا يعرفون للحزن طريقاً! إنهم يتظاهرون بالحزن من أجل حصد المشاهدات وجني الأرباح. لماذا قد يحزن شخص يمتلك كل هذه الأموال والنفوذ والشهرة؟ كل هذا مجرد تمثيل.. مجرد فن متقن لإقناعنا، لا أكثر". في اليوم التالي، توجه إلى ملجأ الأيتام، ذلك المكان الذي لا يعلم أحدٌ سواه أنه مالكه الحقيقي. هناك، يخلع قناع النجم المتعالي ليكون مجرد إنسان يلعب مع الأطفال ويوزع عليهم الهدايا الأسبوعية؛ لقد كان هؤلاء الصغار هم الجمهور الوحيد الذي يشعر معه بصدق الانتماء. وبينما كان يركض خلف كرة القدم معهم، كانت هي تراقبه من بعيد، والدهشة ترتسم على وجهها ممزوجة بفرحة لم تستطع إخفاءها. ​ما إن انتهى من اللعب وخرج ليبدل ملابسه، حتى وجدها تقف أمامه كأنها قضاءٌ مبرم. بادرها بدهشة ممزوجة بحدة: "ماذا تفعلين هنا؟". ردت بهدوء: "بل ماذا تفعل أنت هنا؟ أنا أعمل في هذا المكان". قال بصدمة: "تعملين؟!". أجابت بتحدٍ طفولي: "أجل، أعمل.. هل هذا تحقيق رسمي؟ أم أن هذا المكان ملكك وأنا لا أعلم؟". ​تركها بفظاظة واتجه نحو مكتب مدير الدار، فتح الباب بغضب وصاح بصوتٍ عالٍ: "بأي حق توظف أحداً دون علمي؟ ألم أخبرك أن كل من يعمل هنا يجب أن يكون باختياري؟ لا أريد لأي مخلوق أن يعلم أنني صاحب هذا الدار!". حاول المدير تهدئته قائلاً: "ولكنها لا تعلم شيئاً يا سيدي.. كنا في أمس الحاجة لمعلمة لغة إنجليزية، ولم نجد أنسب منها فهي عائدة من الخارج منذ أسابيع قليلة". ​تمتم في سره: "عائدة من الخارج.. لهذا لم تعرفني". قاطع أفكاره عرض المدير: "إذا أردت، يمكنني صرفها عن العمل فوراً". رد بسرعة مريبة: "لا.. لا تجعلها ترحل، ولكن لا تتصرف من تلقاء نفسك مرة أخرى". ​خرج من المكتب وهو يتساءل: لماذا تظهر هذه الفتاة في كل طريق يسلكه؟ وبمجرد فتحه للباب، وجدها خلفه مباشرة، كانت تختلس السمع بفضول. ما إن رأته حتى فزعت وتراجعت للوراء بطفولة عفوية. كاد يبتسم لكنه كتمها، وقال بنبرة تهديد وقورة: "ماذا سمعتِ؟". قالت بصدق ممزوج بالخوف: "بصراحة.. سمعت كل شيء". اقترب منها وقال بصرامة هزت كيانها: "أقسم لكِ، لو تفوهتِ بكلمة واحدة عن ملكيتي لهذا المكان، سأندمكِ على اليوم الذي عدتِ فيه من الخارج". ​تركها ورحل و كلماته القاسية تصم آذانها، فحدثت نفسها بمرارة: "يا له من مغرور! يبدو أن ابنة عمي كانت على حق.. هؤلاء المشاهير لا يملكون ذرة شعور". دارت الأيام وهو يصارع نفسه، انقطع عن الذهاب إلى المطعم، وهجر الملجأ تماماً. كان يظن أنه بذلك يقطع خيوط التعلق قبل أن تشتد، ويحمي حصونه من الانهيار أمام تلك الفتاة. لكن يبدو أن الأوان قد فات؛ فالغياب لم يزد صورته إلا وضوحاً في خياله، والهروب لم يكن إلا ركضاً في اتجاهها. ​بعد أسابيع من القطيعة والجفاء، استسلم أخيراً لنداء قلبه. توجه إلى الملجأ حاملاً معه الهدايا، فتعالت صرخات الفرح من الأطفال بقدومه، لكن عينيه كانت تخترق الوجوه بحثاً عن شخصٍ واحد.. شخصٍ لم يظهر. ​عجز عن الصمت، فاتجه إلى المدير وسأله بلهفة حاول إخفاءها: "أين هي؟ ألم آمرك ألا تجعلها ترحل؟". رد المدير بهدوء: "أنا لم أصرفها يا سيدي.. هي من قدمت استقالتها في نفس ذلك اليوم الذي رحلتَ فيه غاضباً". ​شعر بصدمة كأنها صفعة على وجهه، وسأل بحدة: "ولماذا لم تخبرني؟". أجاب المدير بتعجب: "ولماذا أخبرك يا سيدي؟ لقد كنتَ غاضباً منها ومن وجودها!". ​حاول أن يتمالك أعصابه، لكن خيبة الأمل كانت أكبر من قدرته على الصمود، فزفر بضيق وقال بنبرة مليئة بالقهر: "أنت أغبى مدير رأيته في حياتي!". ترك المكان ورحل بخطىً مثقلة بالندم، يلعن كبرياءه الذي طالما كان عدوه الأول، وأدرك أن النور الذي لمحه لثوانٍ، قد انطفأ قبل أن يبدأ.