الفصل الثالث
استقلَّ سيارته، ولأول مرة منذ سنوات، تسلل إلى قلبه شعورٌ خافت بالفرح، فرحٌ بسيط تشوبه مشاعر متضاربة وغريبة، لكنه في النهاية "شعور"، وهو الذي عاش لسنوات كميتٍ يتحرك، لا تصله أي أحاسيس من العالم الخارجي.
على الجانب الآخر، كانت هي قد وصلت إلى منزل أقاربها، فهي لم تكن تعيش في مصر، بل عادت من الخارج منذ أيامٍ قليلة فقط. جلست مع ابنة عمها وقصَّت عليها ما حدث في المطعم، فسألتها ابنة عمها باستغراب: "لماذا عاملتِه بهذه الطريقة الفظة؟ الرجل أنقذكِ من موقف محرج!".
أجابتها بتخبط: "لا أعرف، بدا لي متكبراً جداً رغم وسامته وتناسق جسده الرياضي". ضحكت ابنة عمها قائلة: "أهذا ما يسمونه الحب من أول نظرة؟".
ردت بحزم: "ماذا؟ لا، ليس حباً، مجرد إعجاب بسيط لا يذكر. ثم لماذا تشغلين هذه الأغنية بهذا الصوت المرتفع؟".
قالت ابنة عمها: "لأنني أعشقها".
فردت عليها: "على الأقل غيري هذا المغني، لم أسمع غيره منذ وصولي!".
أصرت ابنة عمها: "ولماذا أسمع لغيره وهو الأفضل؟". أمسكت هي بهاتف ابنة عمها قائلة: "إذاً سأغيرها أنا".
نظرت إلى الشاشة، وهنا كانت الصدمة التي ألجمت لسانها.. "أهذا هو المغني؟!". لقد كان هو نفسه الرجل "المتكبر" الذي دفع عنها الحساب صباحاً....
أما عنده هو، فقد حلَّ الليل، لكنها كانت ليلة مختلفة تماماً عن لياليه المظلمة؛ فقد سكنت هي تفكيره ولم تبارحه لحظة واحدة. وفي اليوم التالي، قاده فضوله -أو ربما قلبه- إلى المطعم مرة أخرى. دلف إلى المكان وبحثت عيناه بلهفة عن تلك الزاوية البعيدة، لكنه وجدها فارغة.. لم تكن موجودة
شعر بخيبة أملٍ مريرة تسللت إلى صدره، لكنه كالعادة، أحكم إغلاق أقنعته ولم يظهر شيئاً. اتجه نحو طاولته وطلب فطوره، وجلس يتلكأ في الأكل، يطيل في كل قضمة ويمسك بالوقت لعلها تظهر في أي لحظة.. لكنها لم تأتِ.
يئس من الانتظار، فنهض واتجه نحو الباب مغادراً، وما إن خطى خطوة واحدة حتى اصطدم به جسدٌ رقيق. وكأن القدر كان يخبئ له مفاجأته خلف ذلك الباب؛ لقد كانت هي. سقطت أرضاً من قوة الاصطدام، وشعرت كأنها ارتطمت بجدارٍ صلد لا بجسد بشر.
مدَّ يده إليها بصمت، وأمسك بيدها لينهضها. وما إن استقامت واقفة، حتى غرق في عينيها بنظرة طويلة وساكنة، نظرة كانت من العمق والغموض لدرجة أنها شعرت برعب بسيط يسري في أوصالها. لم ينطق بكلمة، ترك يدها وخرج من المطعم وكأنه يهرب من شيءٍ ما. بقيت هي مكانها، مذهولة، تهمس لنفسها: "أهو مجنون أم ماذا؟".
أما هو، فبمجرد أن استقر في مقعد سيارته، بدأ صراعاً عنيفاً مع نفسه، أخذ يحدثها بصوتٍ مسموع: "لا، هذا لا يمكن أن يكون حقيقة.. لن أسمح لنفسي بالتعلق بأي شخص أو أي شيء مرة أخرى. يكفي ما تجرعته من مرارة. أنا لا أحتاج لأحد، أنا مشهور، وغني جداً، والوحدة هي حصني المنيع".
كان يصرخ في وجه قلبه كي يسكت، ثم انطلق بسيارته بسرعة جنونية، بلا وجهة، محاولاً أن يسبق أفكاره التي بدأت تخرج عن سيطرته.
وجد نفسه، دون وعيٍ أو تفكير، يقف أمام منزله القديم. وكأنه جاء ليحقن روحه بجرعة من الماضي المؤلم، كي يذكر قلبه بمرارة الخيبات فلا يضعف أمام ذلك الشعور الجديد الذي بدأ يغزوه.
ترجَّل من سيارته الفارهة واتجه نحو ذلك الباب العتيق. كانت كل خطوة يخطوها تزيد من ثقل جسده، وكأن الجاذبية تضاعفت تحت قدميه. ما إن دلف إلى الداخل، حتى انفتحت أبواب الجحيم في عقله؛ ضجيج الأصوات القديمة، ملامح الحب الأول الذي وهبه كل شيء ولم يحصد منه سوى الخيانة، ورائحة الخوف التي كانت تسكن الزوايا.
هاجمته الذكريات كأمواجٍ عاتية؛ تذكر كيف كان يرتعد في هذه الغرفة، وكيف انكسر قلبه لأول مرة هنا. لم يعد يحتمل هذا الهجوم الضاري، فأمسك برأسه بكلتا يديه وكأنه يحاول منع عقله من الانفجار.
هناك، وسط الغبار والظلام، انهار ذلك الحصن المنيع، وانفجر في نوبة بكاءٍ مريرة. لم يكن يدري إن كان البكاء سيغسل أوجاعه أم سيزيدها بلة، لكنه كان يدرك حقيقة واحدة تملكت كيانه في تلك اللحظة: إنه، وبكل ما يملك من قوة وشهرة، لم يعد قادراً على التحمل.