ظلال خلف المايك - الفصل الثاني - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: ظلال خلف المايك
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الثاني

الفصل الثاني

بعد أن خفتت أصوات الهتاف وانطفأت أضواء المسرح، اتجه إلى منزله. دخل ذلك القصر الشاسع، ورغم الثريات المعلقة والأنوار التي تملأ الأركان، إلا أنه لم يرَ سوى الظلام. كان منزلاً عملاقاً يسكنه الفراغ. ​استند بظهره إلى الباب، فقفزت إلى ذهنه فجأة صورة غرفته القديمة في منزله المتواضع؛ ذلك السرير الصغير، الحاسوب المتهالك، والخزانة التي حوّلها بجهدٍ مضنٍ إلى "ستوديو" بدائي يضم ميكروفونه الوحيد. أدرك في تلك اللحظة حقيقةً مرة؛ أن تلك الظلمة التي كان يظنها حبيسة جدران غرفته القديمة، لم تكن مرتبطة بالمكان، بل كانت تجري خلفه كظله، تلاحقه في كل بقعة يرحل إليها، وتسكن روحه قبل أن تسكن جدرانه. ​حاول الهروب من دوامة الذكريات، نزع ملابس الحفل الثقيلة، واتجه نحو فراشه. كانت الساعة تشير إلى وقت النوم، لكنه كان يعلم يقيناً أن النوم هو آخر ما قد يزوره الليلة. فهل سيغمض عينيه حقاً؟ أم سيستسلم -كعادته كل ليلة- لتلك الأفكار التي تنهش في عقله، وتعيد رسم "الضلمة" التي لا يراها أحدٌ غيره؟ في الصباح الباكر، وكعادته التي اتخذها درعًا، توجه إلى صالة الألعاب الرياضية الملحقة بمنزله الضخم. كان يتدرب بشراسة، ينهك عضلاته وكأنه يعاقب جسده، آملاً أن يخرس الضجيج في رأسه ويوقف سيل أفكاره المتدفقة. ​بعد ساعات من المجهود المتواصل، استحم وارتدى ملابسه الفاخرة التي تليق بنجمٍ يشار إليه بالبنان، ثم غادر منزله قاصداً مطعمه المفضل لتناول وجبة الإفطار. ما إن وطئت قدماه المكان، حتى انقضت عليه نظرات المعجبين والمعجبات؛ هذا يريد صورة، وتلك تطلب توقيعاً، وهو -كعادته- يوزع الابتسامات الباردة والآلية، يلبي طلباتهم بآلية مفرطة بينما روحه غائبة تماماً. ​لكن، وسط هذا الزحام والتهافت، استوقفه مشهدٌ غريب. كانت هناك فتاة تجلس في زاوية بعيدة، هادئة تماماً كأنها تعيش في عالم آخر. لم تتحرك من مكانها، ولم ترفع عينيها عن كتابٍ بين يديها، ولم تعره أدنى اهتمام رغم الجلبة المحيطة به. ​شعر بالاستغراب يسري في نفسه؛ فهو معتاد أن يكون مركز الضوء أينما حل. حدّث نفسه وهو يتوجه إلى طاولته: "ربما هي الوحيدة هنا التي لا تعرف من أنا". جلس ليتناول فطوره المعتاد، لكن عينه ظلت تراقب تلك الزاوية البعيدة، فقد كان صمتها وعدم اكتراثها يثيران في قلبه فضولاً لم يشعر به منذ زمن طويل. ظلّت عيناه معلقتين بها، لدرجة أنه نسي طعامه تماماً؛ فطبق الإفطار أمامه لم يُلمس، بينما كان تركيزه كله منصباً على تلك الفتاة القابعة في الزاوية. وحين طلبت الحساب، وقع ما لم يكن في الحسبان؛ بدت عليها علامات الارتباك وهي تفتش حقيبتها، فقد نسيت نقودها ولم تكن تملك شيئاً لتدفعه. ​بدأ صاحب المطعم يفقد صبره، وارتفع صوته تدريجياً موبخاً إياها، بينما كانت هي تحاول التوسل إليه بصوتٍ منخفض، واعدةً إياه بأنها ستعود فوراً بالمال. في تلك اللحظة، ولسببٍ يجهله هو نفسه، قرر التدخل. هو الذي اعتاد ألا يكترث لأمر أحد، وألا يرى أحداً خلف غيوم اكتئابه، شعر أن هذه الفتاة بها شيءٌ مختلف يجبره على التحرك. ​تقدم نحو الطاولة بهدوء، دفع الحساب لصاحب المطعم ببرود، فما كان من الأخير إلا أن اعتذر منها وانصرف خجلاً. وقف هو بمحاذاتها، فرفعت عينيها إليه وسألته بسؤالٍ أكّد له صدق حدسه: "من أنت؟". ​ابتسم داخلياً لأن ظنه كان في محله؛ فهي حقاً لا تعرفه. أجابها بنبرة يسودها الغموض: "أنا الشخص الذي أنقذكِ من السجن للتو". ردت عليه باستنكار: "ولماذا فعلت ذلك؟ هل تعرفني؟". ​أجاب ببرود وهو يهمُّ بالانصراف: "لا، ولا أريد أن أعرفكِ.. كان مجرد تصرفٍ تلقائي بدافع الشهامة ليس إلا". أدار ظهره وانطلق ليرحل، سمع صوتها الخافت يناديه: "انتظر!"، لكنه لم يتوقف، ولم يلتفت وراءه، بل مضى في طريقه وكأنه يهرب من فضوله ومنها.