ظلال خلف المايك - الفصل الاول - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: ظلال خلف المايك
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الاول

الفصل الاول

"يقولون إن المسرح يتسع للجميع، لكنه لم يخبرني أن خشبة المسرح قد تكون زنزانة. قضى عمره يرتدي أقنعة الضاحكين، يغني أوجاعه للغرباء فيصفقون له بحرارة، ظانين أن نزيف روحه مجرد 'قافية' منضبطة. لم يكن يريد جمهوراً، كان يريد ونيساً يلمح خلف الضحكة ذلك الطفل الذي تاه في الزحام منذ عشرين عاماً ولم يعد." هبط من فوق خشبة المسرح، وأصوات الهتاف لا تزال تزلزل القاعة، الجماهير تصرخ باسمه وكأنه "أيقونة" السعادة بالنسبة لهم، لكنه لم يكن يشعر بأي انتصار. خلف الستار، كان يسير بخطىً ثقيلة وكأن أثقال العالم كلها قد عُلقت في قدميه. ما إن ولج إلى غرفته في الكواليس وأغلق الباب، حتى انهار كل ذلك التماسك المزيف. ​وضع رأسه بين يديه المرتجفتين، وأغمض عينيه بقوة محاولاً إيقاف الضجيج في رأسه. لم يكن بخير، لم يكن يشعر بأنه ينتمي لهذا الصخب. وفي تلك اللحظة، انفتح في عقله بابٌ كان يحاول جاهدًا إبقاءه موصدًا.. باب الذكريات المسمومة. ​ عاد به الزمن عشرين عاماً إلى الوراء؛ رأى طفلاً ضئيلاً لم يتجاوز الخامسة من عمره، يقف وسط غبار العمل الشاق. جسده الهزيل يرتجف تحت وطأة مهامٍ تفوق قدرة البالغين، بينما يقف فوق رأسه ذلك الرجل "العملاق" بملامحه القاسية وصوته الرعدي وهو يصرخ في وجهه: "اعمل.. وإلا قتلتك!". لم يكتفِ العملاق بالتهديد، بل رفعت يده تلك العصا الغليظة لتنهال على جسد الطفل الغض، تاركةً ندوباً لم تندمل أبداً، بل كبرت معه لتصبح اكتئاباً لا يرحم. قطع حبل أفكاره صوت فتح الباب ودخول صديقه. وضع الصديق يده على كتفه فانتفض فزعاً وتراجع إلى الوراء كأن العصا لا تزال تلاحقه. نظر إليه الصديق بقلق وسأله: "هل أنت بخير؟". ​في تلك اللحظة، عاد "القناع" لمكانه بسرعة مذهلة. رسم على وجهه ابتسامة باردة، ومسح آثار الوجع عن عينيه قائلاً بصوتٍ هادئ لا يشوبه اهتزاز: "أنا في أفضل حال.. لا تقلق". ​نهض، استجمع بقايا قوته، وانطلق مرة أخرى ليقدم عرضاً جديداً، ويغني للناس عن أوجاعهم، بينما يظل وجعه هو.. سراً دفيناً تحت أضواء المسرح.