القناع يسقط في قاعة المحكمة
مرت خمس سنوات.
أصبحت خلالها مراسل الجرائم الرئيسي، لكنني لم أعد الشخص نفسه.
أصبحت أكره الابتسامات الهادئة، وأرتاب من الرجال الوسيمين أكثر من المجرمين الواضحين.
وفي يونيو 1979، جلست داخل قاعة محكمة في ميامي أراقب الرجل الذي أرعب مدناً كاملة.
تيد باندي كان يجلس هناك كأنه نجم سينمائي، يبتسم للحراس ويمازح الصحفيين ويدافع عن نفسه بثقة مذهلة.
ثم التفت نحوي.
غمز بعينه.
بنفس الابتسامة القديمة.
لكن هذه المرة… لم أرَ رجلاً ذكياً.
رأيت فراغاً أسود يرتدي وجهاً بشرياً.
وعندما عُرضت صور الضحايا وأدلة آثار العض، بدأ القناع يتشقق أخيراً. اختفت الابتسامة، وتحولت عيناه إلى شيء بارد وكاره بشكل لا يوصف.
وعندما نطق القاضي بالحكم:
“الإعدام بالكرسي الكهربائي.”
عمّ الصمت القاعة.
خفضت رأسي وكتبت عنوان الغد:
“نهاية القناع.”
في الرابع والعشرين من يناير 1989، جلست داخل سجن ولاية فلوريدا أراقب الفجر الأخير لـ تيد باندي.
دخل مكبلاً بالحديد.
لأول مرة بدا صغيراً.
هزيلاً.
كأن كل الكاريزما التي خدعت العالم قد سُحبت منه أخيراً.
بحث بعينيه بين الوجوه حتى وجدني.
لكنه لم يبتسم هذه المرة.
عندما وضعوا القناع الأسود على وجهه، عادت إليّ رائحة الغابة الرطبة في سياتل… وعاد ذلك الصوت الهادئ الذي همس خلف رقبتي قبل سنوات.
ثم انطلق التيار الكهربائي.
صوت قصير.
رجفة عنيفة.
ثم… صمت.
خرجت إلى الخارج. الناس كانوا يحتفلون، يضحكون، ويطلقون الألعاب النارية.
أما أنا، فلم أشعر بأي انتصار.
ركبت سيارتي، ونظرت إلى كاميرتي القديمة الموضوعة على المقعد المجاور.
ثم فتحت مذكرتي وكتبت آخر سطر:
“مات تيد بندي في السابعة وست دقائق صباحاً. غادر العالم بجسده… لكنه ترك وراءه درساً لن يغادره أبداً: الشيطان لا يرتدي قروناً دائماً… أحياناً يرتدي سترة رياضية، ويبتسم لك بلطف، ثم يطلب مساعدتك في حمل كتبه.”
أغلقت المذكرة.
وأدرت المحرك.
وعند أول محطة وقود خارج المدينة، رأيت شاباً يساعد فتاة على حمل كتبها إلى السيارة.
ابتسم لها بنفس الطريقة تماماً.
أكملت القيادة… دون أن أنظر خلفي.