الوردة الحمراء - حين دفنت الطفولة - بقلم عبدالرحمن شعبان محمد خليفة | روايتك

اسم الرواية: الوردة الحمراء
المؤلف / الكاتب: عبدالرحمن شعبان محمد خليفة
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: حين دفنت الطفولة

حين دفنت الطفولة

انقشع ستار الليل أخيرًا، وتسلّل ضوء الصباح الباهت فوق قرية بَلام، كأن الشمس نفسها تتقدّم بخطى مترددة، خائفة مما ستراه. وفي وقت الضحى، فتح آش عينيه. نهض ببطء، وقد أثقل جسده إرهاق غريب، ثم صعد درجات القبو بخطوات مترددة. وما إن فتح الباب… حتى تجمّد في مكانه. كانت الأرض مغمورة بالدماء. بحيرةٌ حمراء امتدّت حيث كان البيت يومًا ملاذًا دافئًا. سقط آش على ركبتيه، وانفجر بالبكاء، وارتفع صوته المكسور ينادي: — أبي… أمي… صرخ، وبكى، حتى بحّ صوته، كأن قلبه يحاول الخروج من صدره. سمع أحد الجيران الصراخ، فركض مذعورًا نحو المنزل. وما إن رأى المشهد حتى شحب وجهه، وتوقّف الزمن للحظة. تقدّم نحو آش، واحتضنه بقوة، وقال بصوتٍ حاول أن يجعله ثابتًا: — لا تبكِ يا بني… أنت رجل، والرجال لا يبكون. علينا الآن… أن ندفن والديك. مسح آش دموعه بكمّ قميصه، وهزّ رأسه بإصرار لم يكن يليق بعمره. — نعم… علينا دفنهما. ذهب الجار لينادي بعض أهل القرية، وجاءوا بصمتٍ ثقيل. وبينما كانوا يرفعون الجثث، وجدوا جسدًا لأحد رجال السواد. وعلى صدره… كانت هناك علامة واضحة: ثعبانٌ أحمر. تبادل الرجال النظرات، وقال أحدهم بصوتٍ خافت: — إنهم… عصابة الثعابين الحُمر. ساد الصمت. لم يتجرأ أحد على قول كلمة أخرى. حُملت الجثث، ودُفنت تحت ترابٍ لم يعد بريئًا كما كان. وقف آش أمام القبور، ويداه ترتجفان، وقال بصوتٍ خافت لكنه حاسم: — سأغادر القرية… كما أخبرني أبي. نظر إليه الجار طويلًا، ثم قال: — حسنًا… ليحفظك القدر يا بني. عاد آش إلى منزله للمرة الأخيرة. جمع ما يحتاجه، ثم توقّف أمام سيف والده، وقوس أمه. أمسك بهما، وكأنهما آخر ما تبقّى من عالمه القديم. حلّ الليل، ونام نومًا متقطعًا، مليئًا بالكوابيس. ومع أول خيط للفجر… غادر بَلام. سار خمسة أيام كاملة، حتى وصل إلى أطراف غابة ڤالِن. غابةٌ اشتهرت بالرعب، تسكنها وحوش وكائنات لا تُرى إلا في الأساطير. تردّد… لكن الخوف لم يكن أقوى من وعد الانتقام. دخل. لم تمضِ ساعات حتى خذله جسده. ثقل التعب أطرافه، وتشوش بصره، وبدأ العالم يدور من حوله. همس في داخله: «هل… سأموت هكذا؟ لا… يجب أن أعيش… يجب أن أنتقم… يجب أن أ…» وانطفأ صوته. سقط على الأرض بلا حراك. ومن بين ظلال الأشجار، اقترب كائنٌ غريب. نظر إلى الطفل الملقى، ثم انحنى، وحمله بين ذراعيه… واختفى به في أعماق الغابة.