إعادة ترتيب الواقع
الأرض تحتهم بدأت تتغير شكلها.
الرمادي لم يعد ثابتًا.
صار يتجمع كطبقات، ينفصل، ثم يعود، كأنه يعيد بناء نفسه كل ثواني.
إليزابيث:
"هذا المكان لا يتطور… هو يعيد كتابتنا."
فيكتوريا:
"هذا أسوأ من امتحان مفاجئ."
فجأة، ظهرت خطوط على الأرض.
ليست رموزًا.
بل “جمل”.
كلمات مكتوبة في السطح نفسه.
أليكس انحنى وقرأ:
"لا تخرجوا بنفسكم."
كل خطوة كانوا يخطونها كانت تترك أثرًا مكتوبًا.
لكن ليس آثار أقدام… بل كلمات.
كازوها توقفت فجأة.
"أنا لم أكتب هذا."
تحتها ظهرت كلمة:
"الغضب"
فيكتوريا نظرت تحتها:
"أنا مكتوب عندي: فوضى…."
أليكس كان مكتوب لديه.
"مستعد دائما للتضحية "
اليزابيث مكتوب عندها :
" منطقية"
من الفراغ خلفهم، ظهر شيء جديد.
ليس ظلًا.
ولا نسخة.
بل “شكل غير مكتمل” يشبههم جميعًا مجتمعة.
يتحرك بشكل خاطئ، كأن كل جزء منه ينتمي لشخص مختلف.
قالت إليزابيث بهدوء خائف:
"هذا… نحن إذا توقفنا عن الاتفاق."
كازوها رفعت منجلها ببطء:
"أكره هذا التفسير لأنه منطقي."
الكيان اقترب من أليكس.
حاول تقليده وهو يرفع سيفه… لكن الحركة كانت متأخرة.
ضربه أليكس بسرعة، لكن السيف مر داخله بلا مقاومة.
"ليس ماديًا."
قالها مرة أخرى، لكن بنبرة أقل ثقة.
فيكتوريا أطلقت رصاصة.
مرت أيضًا.
الكيان لم يرد.
فقط اقترب أكثر.
كازوها حاولت ضربه.
نفس النتيجة.
ثم حدث شيء مزعج.
الكيان بدأ “يتعلم” حركاتهم أثناء القتال.
كل حركة يقومون بها… يتأخر هو قليلاً ثم يقلدها بشكل ناقص.
أليكس تراجع خطوة.
"هذا ليس عدو… هذا.... شيء اخر.... نسخة ."
إليزابيث تراجعت وهي تلاحظ شيئًا أخطر.
كل مرة يتكلم أحد… الجمل تظهر تحت الأرض.
كأن الكلام يتحول إلى جزء من المكان.
قالت بصوت منخفض:
"إذا استمرينا بالكلام… سنُثبت هنا."
فيكتوريا:
"ممتاز. الآن حتى صوتي خطر."
توقفوا عن الكلام لثواني.
الكيان أيضًا توقف.
ثم جلس.
نفسهم جلسوا.
كأنهم يشاهدون أنفسهم بدون تفسير.
أليكس كتب بسيفه على الأرض:
"لا تتكلموا."
كازوها نظرت إليه:
"أنت تأمرني بالهدوء؟"
كتب:
"أحاول النجاة."
توقفت.
ثم أومأت مرة واحدة.
العين الضخمة بدأت تتغير.
لم تعد واحدة.
بل بدأت تظهر حولها عيون أخرى أصغر.
كأن الفكرة نفسها تتشعب.
فيكتوريا همست رغم نفسها:
"هذا المكان لا ينتهي… هو يتكاثر."
إدوارد لأول مرة قال شيئًا:
"هذا ليس عمقًا واحدًا."
"بل طبقات."
الأرض انشقت مجددًا.
لكن هذه المرة لم يكن سقوطًا.
بل صعودًا.
كأنهم انتقلوا لمستوى مختلف من نفس المكان دون حركة.
كل شيء أصبح أنظف.
أهدأ.
أخطر.
كازوها نظرت حولها:
"نحن لم نتحرك."
أليكس:
"بل تم نقلنا."
فيكتوريا:
"أكره السفر المجاني."
إليزابيث بصوت منخفض:
"نحن لسنا في نفس المكان الذي كنا فيه قبل لحظات."
وينتهي المشهد على حقيقة واحدة مزعجة:
المكان لا يطاردهم…
هو يعيد ترتيب نفسه حولهم كلما فهموه قليلًا.
ثم....
الهدوء كان أول شيء أخافهم.
بعد كل الصراخ، والنبض، والعيون، والممرات التي تتصرف كأنها كائن حي، بدا هذا الصمت مصطنعًا أكثر من أي رعب سابق.
المكان الجديد يشبه غابة… لكن غابة مرتبة أكثر مما يجب.
الأشجار طويلة، مستقيمة، أوراقها ساكنة رغم وجود ريح خفيفة. الأرض نظيفة بشكل مريب، لا أثر لوحل، لا عظام، لا آثار أقدام.
قالت فيكتوريا وهي تدور حول نفسها:
"هذا واضح جدًا. المرحلة التي تسبق الكارثة."
إليزابيث نظرت للأعلى.
"حتى الطيور غير موجودة."
أليكس شد قبضته على سيفه:
"سنبقى يقظين."
كازوها مرّت بجانبه دون أن تنظر إليه.
"جملتك هذه مملة بقدر فائدتها."
ابتسم.
"اشتقتِ لي."
"اشتقتُ للصمت."
ساروا ساعات، أو ما بدا ساعات. هنا الوقت لا يملك أخلاقًا.
لكن شيئًا غريبًا حدث.
الشمس ظهرت بين الأغصان.
ضوء دافئ، طبيعي، حقيقي لدرجة أن الجميع توقفوا.
إليزابيث أغمضت عينيها قليلًا وهي تشعر بالدفء على وجهها.
"لم أعتقد أنني سأشتاق لضوء عادي."
فيكتوريا جلست على صخرة فورًا.
"أنا أبني علاقة جديدة مع الشمس."
أليكس نظر إلى كازوها.
كانت واقفة تحت الضوء، وشعرها الأبيض يلتقطه فيجعله أشبه بالفضة.
قال بهدوء:
"أخيرًا شيء ينافس جمالك..... لكنه لم يفز."
نظرت إليه ببطء.
"لو كنت أضعف شخصية، لتأثرت."
"وأنتِ؟"
"سأعتبرها إهانة مؤجلة."
وجدوا جدول ماء صغيرًا يمر بين الصخور.
ركعت إليزابيث أولًا، غسلت يديها، ثم شربت بحذر.
فيكتوريا:
"إذا تحولتِ لوحش، أرجوك أخبرينا قبل العض."
بعد دقائق، جلس الجميع قرب الماء.
أليكس ملأ قارورة قديمة، ثم وضعها قرب كازوها دون كلمة.
نظرت إليها ثم اليه
قال أليكس :
" اشربي."
"لم أطلب."
"وأنا لم أطلب إذنك."
سكتت لحظة… ثم أخذت القارورة وشربت.
فيكتوريا وضعت يدها على قلبها.
"يا إلهي. مشهد رعاية."
قالت كازوها فورًا:
"تكلمي مرة أخرى وسأغرقك في الجدول."
مع اقتراب المساء، عثروا على مساحة دائرية بين الأشجار، تحيطها جذوع سميكة من ثلاث جهات وصخرة كبيرة من الرابعة.
مكان دفاعي جيد.
قال أليكس:
"سنبيت هنا."
إدوارد ألقى نظرة سريعة ثم أومأ.
فيكتوريا:
"إذا وافق هو، فهذا يخيفني أكثر."
أشعلوا نارًا صغيرة.
إليزابيث رتبت الأغراض، وفيكتوريا ادعت أنها تساعد بينما كانت تأكل ما تبقى من الطعام.
كازوها ابتعدت قليلًا وجلست تحت شجرة ضخمة على طرف المخيم.
أخرجت كتابًا أسود صغيرًا من داخل معطفها.
قالت فيكتوريا بصوت منخفض:
"هي تقرأ؟"
أليكس:
"واضح."
"أنا مصدومة."
ابتعد أليكس عن النار بخطوات هادئة، تاركًا ضحكات فيكتوريا العابثة خلفه وهمسات الخشب المحترق. كان يعرف أين ذهبت كازوها حتى قبل أن يراها. هي دائمًا تختار أطراف المكان، المسافة التي تسمح لها بمراقبة الجميع دون أن يقترب أحد منها كثيرًا.
وجدها تحت شجرة عريضة الجذع، تمتد أغصانها كأنها سقف طبيعي فوقها. جلست وظهرها إلى الجذع، ساق ممدودة وأخرى مثنية، والكتاب الأسود الصغير مفتوح بين يديها.
ضوء النار البعيد لم يصل كاملًا، بل لمس أطرافها فقط. شعرها الأبيض بدا رماديًا تحت الليل، وعيناها الحمراوان تتابعان السطور بتركيز لا يشبه برودها المعتاد.
وقف أليكس أمامها لحظة دون كلام.
قال أخيرًا:
"غريب."
لم ترفع عينيها.
"الأغرب أنك ما زلت تتكلم."
جلس على جذر مقابل لها، واضعًا ساعديه على ركبتيه.
"كنت أظنك تقضين وقت فراغك في التخطيط لإهانة البشر."
قلبت الصفحة بهدوء.
"وأنت تقضي وقتك في إزعاجهم مباشرة."
"فعّال أكثر."
"للأسف."
مال قليلًا للأمام محاولًا رؤية الغلاف.
أغلقت الكتاب فورًا، ورفعته بعيدًا عنه.
"لا."
ابتسم.
"إذن فيه سر."
"إذن عندك فضول زائد."
"أحيانًا."
"أحيانًا؟"
"معكِ دائمًا."
رفعت نظرها إليه ببطء، نظرة طويلة خالية من التعبير تقريبًا.
"هذه الجمل تنجح مع من؟"
"أجرب حتى الآن."
"النتائج كارثية."
"لكنك ما زلتِ تجلسين."
قالت فورًا:
"لأن الشجرة ثابتة، لا لأنك موجود."
مد أليكس يده نحو الكتاب مرة أخرى بسرعة مفاجئة.
لكنها ضربت ظهر يده بطرف الكتاب قبل أن يلمسه.
"مؤلم."
"مقصود."
"عنوانه فقط."
"لا."
"عدد الصفحات."
"لا."
"هل فيه صور؟"
ضيّقت عينيها قليلًا.
"أنت أكثر إزعاجًا مما أتذكر."
"وأنتِ أكثر لطفًا مما تعترفين."
"سأرميك في الغابة."
"بعيدًا أم قريبًا؟"
زفرت ببطء، ثم وضعت الكتاب على ركبتها.
"رواية قديمة."
رفع حاجبه.
"تشاركين معلومة؟ هل أنتِ مريضة؟"
"اسكت قبل أن أستعيد كرامتي."
ضحك بصوت منخفض.
"عن ماذا؟"
"شخص فقد كل شيء… ثم أكمل السير."
ساد صمت قصير.
قال أليكس هذه المرة بنبرة أخف:
"اختيار مناسب."
نظرت إليه.
"ولماذا؟"
"لأنك تحبين الأشياء التي تستمر رغم الألم."
لم تجب.
لكن أصابعها شدّت على طرف الغلاف قليلًا.
مرّت نسمة باردة حرّكت الأوراق فوقهما.
أليكس أسند ظهره إلى الجذر المقابل.
"أتعلمين؟"
"غالبًا لا أريد."
"أول مرة رأيتك، ظننتك ستكرهين الجميع بالتساوي."
"وكان هذا تقييمًا ذكيًا."
"ثم اكتشفت أنك تختارين بعناية."
"نعم. وأنت فزت بالمركز الأول."
"شرف كبير."
رفعت الكتاب وأشارت به نحوه.
"كيف تستطيع أن تبقى ساخرًا هنا؟"
نظر إلى السماء السوداء بين الأغصان.
"إذا أخذتُ كل شيء بجدية… سأنهار."
خفضت الكتاب ببطء.
"إذن أنت تمثل."
ابتسم دون أن ينظر إليها.
"وأنتِ تختبئين."
ساد الصمت مرة أخرى.
هذه المرة أطول.
قالت أخيرًا:
"ربما."
نظر إليها فورًا، كأن الكلمة أهم من أي شيء قالته قبلاً.
فأدارت وجهها.
"لا تفسرها."
"فات الأوان."
نهض أليكس من مكانه، ومشى خطوتين حتى صار بجانبها، مستندًا إلى نفس الشجرة لكن على مسافة قصيرة.
لم تتحرك.
كان هذا بحد ذاته حدثًا نادرًا.
قال بهدوء:
"أنتِ متعبة."
"ملاحظة عبقرية."
"منذ إصابتك وأنتِ تضغطين على جنبك كلما ظننتِ أن أحدًا لا ينظر."
سكتت لحظة، ثم قالت:
"أكره ملاحظتك."
"لأنها صحيحة."
"ولأنك لاحظتها."
مد يده ببطء.
تجمدت نظرتها نحوه.
لكنه لم يلمسها… فقط سحب قطعة ورق علقت بشعرها الأبيض من غصن فوقها.
رفعها أمامها.
"هذا كل شيء."
حدقت فيه ثانيتين.
ثم قالت ببرود مصطنع:
"كنت مستعدة لقطع يدك."
"رومانسي."
"مقرف."
جلس قربها هذه المرة، قريبًا بما يكفي ليسمع أنفاسها الهادئة.
قال:
"لو أردتِ… أستطيع البقاء هنا قليلًا دون كلام."
نظرت إليه باستغراب خفيف.
"أنت؟ دون كلام؟"
"أقدم تضحيات."
سكت فعلًا.
مرت دقيقة كاملة.
ثم قالت:
"هذا مخيف أكثر من الأشباح."
كان المخيم خلفهما هادئًا. نار خافتة، أصوات تنفس بعيدة، وصمت نادر.
قال أليكس أخيرًا، بصوت منخفض:
"حين سُحبت تحت الأرض… وصرختِ باسمي."
شدّت قبضتها على الكتاب.
"لم أصرخ."
"ناديتِ."
"حتى لو حدث… كان لأسباب تكتيكية."
"طبعًا."
"كنت العنصر الأقوى."
"أنا أعلم."
التفتت إليه بسرعة.
"لا، أنت مغرور."
"وأنتِ قلقة."
"وأنت مستفز."
"وأنتِ لم تنكري."
توقفت، ثم أغلقت الكتاب ووضعته جانبًا.
"إذا متّ هنا…"
نظر إليها مباشرة.
أكملت بحدة أقل من المعتاد:
"...سيصبح المكان أكثر هدوءًا، وهذا ممل."
ابتسم ببطء.
"هذا أقرب شيء لاعتراف حصلت عليه."
"هذا أقرب شيء لإهانة."
"سأحتفظ بها."
قال أليكس :
" القمر جميل اليوم "
تحدقت كازوها به ثم قالت "نعم" لانها كانت تظن انه لا يعرف معنى الجملة و قالها بشكل عابر فقط
عادا معًا نحو النار، لكن بينهما مسافة محسوبة عادت فورًا كأن شيئًا لم يكن. البشر يعشقون التظاهر، ثم يتساءلون لماذا حياتهم معقدة.
فيكتوريا فتحت عينًا واحدة حين رأتهم.
"عدتما معًا؟"
قالت كازوها فورًا:
"نامي."
قال أليكس:
"اشتقتِ لنا."
"اشتقتُ للسكوت."
استلقى الجميع أخيرًا، كل في مكانه.
كازوها وضعت كتابها قرب رأسها، وأغمضت عينيها.
مرّت دقائق هادئة… هدوء نادر، مشبوه، ومؤقت كالعادة.
ثم سُمِع صوت خافت.
تقليب صفحات.
فتحت كازوها عينيها فورًا.
الكتاب أمامها كان مغلقًا.
لكن غلافه بدأ يرتجف وحده.
ثم انفتح ببطء.
الصفحات تقلب نفسها بسرعة، كأن يدًا غير مرئية تبحث عن موضع محدد.
استيقظ أليكس فورًا، ومد يده إلى سيفه.
"ابتعدي عنه."
قالت ببرود وهي تنهض:
"لا تأمرني."
توقفت الصفحات عند صفحة لم تكن موجودة سابقًا.
حبر أحمر رطب بدأ يظهر أمام أعينهم، حرفًا بعد حرف:
وجدتُ من يقرأني… والآن سأقرأكم.
انطفأت النار في اللحظة نفسها.
ومن بين الأشجار… سُمعت خطوات تحيط بالمخيم من كل الجهات.
انطفأت النار بالكامل، وبقي ضوء خافت من السماء الرمادية يتسرّب بين الأغصان.
الخطوات حول المخيم لم تكن سريعة، بل بطيئة ومدروسة. شيء ما كان يريدهم أن يسمعوه.
وقف أليكس فورًا، سيفه في يده.
كازوها أمسكت منجلها، وعيناها تضيئان بحدة وسط العتمة.
إليزابيث نهضت وهي تبحث عن قوسها.
فيكتوريا رفعت مسدسها وهي تتمتم:
"إذا كان هذا هجومًا ليليًا، سأقدّم شكوى رسمية."
ثم سُمِع عواء عميق من جهة اليسار.
توقف الجميع.
أليكس التفت بسرعة.
من بين الأشجار خرج ذئب أسود ضخم، فراؤه داكن يبتلع الضوء، وعيناه زرقاوان حادتان كالجليد.
قالت إليزابيث بارتياح مفاجئ:
"إنه ذئبك!"
الذئب اقترب من أليكس، ثم وقف بجانبه كحارس قديم.
أليكس وضع يده على رأسه للحظة.
"تأخرت."
نفخ الذئب من أنفه كأنه منزعج من الملاحظة.
فيكتوريا:
"حتى حيوانه يشبهه. متكبر وصامت."
فوقهم مباشرة، دوّى رفرف سريع.
ثم هبط خفاش أسود على كتف كازوها، وتمسك بمعطفها كأنه لم يغادر أصلًا.
لمست رأسه بإصبعين دون أن تنظر إليه.
قال أليكس مبتسمًا:
"اشتقتِ له أكثر مني."
قالت ببرود:
"هو أقل إزعاجًا."
الخفاش التفت نحو أليكس وأصدر صوتًا قصيرًا حادًا.
فيكتوريا ضحكت:
"حتى الخفاش متفق معنا."
الذئب فجأة شدّ جسده، وأصدر زمجرة منخفضة نحو الأشجار الشرقية.
الخفاش فرد جناحيه بعصبية، ثم حلق دائرة سريعة فوق المخيم وعاد.
قالت كازوها:
"هناك شيء يقترب."
أليكس أومأ.
"وهم عرفوا قبلنا."
إدوارد، الذي كان مستيقظًا أصلًا كعادته المريبة، قال:
"الحيوانات ترى ما يتأخر عن البشر."
فيكتوريا:
"وأنت ترى أشياء لا أحبها. توازن جميل."
من بين الجذوع خرجت أشكال بشرية طويلة، منحنية، تمشي على أربع ثم تقف ثم تعود للزحف.
أذرعها أطول من اللازم، ووجوهها مغطاة بقشرة خشبية.
قالت إليزابيث وهي تشد السهم:
"هذه ليست أشباحًا."
إدوارد:
"لا. هذه حرّاس."
قالت فيكتوريا:
"أكره كلمة حرّاس. معناها أن هناك ما هو أسوأ خلفهم."
اندفع أول كائن بسرعة.
قبل أن يصل، انقض الذئب عليه من الجانب وأسقطه أرضًا بعضّة في عنقه.
وفي اللحظة نفسها، هبط الخفاش على وجه كائن ثانٍ، وخدش عينيه بعنف.
كازوها ابتسمت ابتسامة صغيرة نادرة.
"جيد."
اندفع أليكس للأمام مع الذئب كأنهما تدربا على هذا ألف مرة.
ضربة سيف من الأعلى، ثم اندفاع الذئب نحو الركبة، ثم عودة للخلف.
الكائن سقط قبل أن يصرخ.
على الجهة الأخرى، كازوها دارت بمنجلها نصف دائرة، وفي اللحظة نفسها مرّ الخفاش فوق رأس خصمها، فأجبره على رفع يديه، تاركًا صدره مفتوحًا.
ضربة واحدة.
انقسم الجسد.
قال أليكس وهو يقاتل:
"رائع"
قالت كازوها:
"أنا رائعة. أنت موجود."
أحد المهاجمين قفز من الخلف نحو كازوها.
أليكس رآه أولًا، فاندفع ودفعها من كتفها جانبًا.
سقط الاثنان أرضًا معًا، والكائن مر فوقهما.
لثانية قصيرة، كان أليكس فوقها مباشرة، يده عند جانبها ليمنع ارتطامها.
تبادلت أعينهما النظرة نفسها.
ثم قالت ببرود قاتل:
"انزل."
"كنت أنقذك."
"انزل قبل أن أقتلك."
نهض فورًا وهو يبتسم.
فيكتوريا من بعيد:
"القتال صار يملك حبكة فرعية."
عاد الكتاب الأسود يهتز قرب النار المنطفئة.
ثم انفتح وحده من جديد.
هذه المرة ظهرت كلمات أسرع:
الأول يحميها. الثانية تنكره. ممتع.
تجمّدت كازوها لحظة.
أليكس نظر للكتاب، ثم لها.
قال بهدوء ساخر:
"حتى الكتب تلاحظ."
ضربت الكتاب بمنجلها فأغلق بعنف.
"تكلم مرة أخرى وسأجعلك ترا نجوم الظهر ."
*لحظة ادراك*
ثم قالت بسرعة
" حتى و نحن في منتصف الليل"
كتمت فيكتوريا ضحكة
صرخت الأشجار.
نعم، الأشجار نفسها.
تشقق اللحاء وخرجت منه أيدٍ خشبية كثيرة.
امتدت نحوهم من كل الجهات.
إليزابيث أطلقت سهمًا قطع يدًا في الهواء.
فيكتوريا أفرغت ثلاث رصاصات بسرعة:
"أرفض أن أُخطف من شجرة."
الذئب عض يدًا كانت تقترب من أليكس وسحبها حتى انكسرت.
الخفاش دار فوق رؤوسهم ثم انقض على عقدة غريبة في جذع قريب، وما إن مزقها حتى توقفت الأيدي الخارجة منه.
قالت كازوها:
"هو أذكى من بعض البشر هنا."
نظرَت نحو أليكس.
قال:
"أشعر أنني المقصود."
"ممتاز."
تراجعت الكائنات أخيرًا إلى الظلام.
الأشجار سكنت.
والهواء عاد ساكنًا بشكل مريب.
جلس الذئب قرب أليكس يلهث بهدوء.
الخفاش عاد إلى كتف كازوها، ثم تسلق حتى جلس قرب عنقها.
اقترب أليكس قليلًا.
"يبدو أنه يغار."
مد الذئب رأسه نحوها فجأة، وشمّ يدها.
ترددت لحظة… ثم لمست فروه بحذر.
راقبها أليكس مبتسمًا.
"يعجبك."
"هو مقبول."
"وأنا؟"
نظرت إليه نظرة باردة.
"مرفوض بشدة."
قبل أن يرد، دوّى صوت ثقيل من عمق الغابة.
خطوة واحدة.
ثم أخرى.
كل خطوة تهز الأرض قليلًا.
الذئب وقف فورًا، شعر ظهره منتصب.
الخفاش فتح جناحيه بعصبية شديدة.
إدوارد رفع نظره إلى الظلام وقال:
"الحرّاس انسحبوا."
إليزابيث همست:
"لماذا؟"
أجاب دون تعبير:
"لأن السيد وصل."
ومن بين الأشجار البعيدة… بدأ يظهر ظل هائل يتقدّم ببطء نحوهم.