الفصل الحادي عشر: عواقب الانتصار
عودة غير متوقعة:
في غرفة المعيشة بمنزل أرمان، كانت ميجدالين تجلس على الأريكة بينما يحكي لها غولي عن مغامراته في الجبال بأسلوب كوميدي مبالغ فيه.
"...ثم حاولت أن أتحول إلى فراشة، لكنني أصبحت فيلًا بأجنحة! كنت أطير وأنا أحدث ضجة كالرعد!" قال غولي وهو يقلب يديه في الهواء.
كانت ميجدالين تضحك، لكن فجأة، انفتح الباب الرئيسي بعنف، ودخل أرثر حاملاً جسد إليرا الفاقدة للوعي، وفزاعة خلفه يتنفس بسرعة.
"يا إلهي! ما هذا؟" وقفت ميجدالين فجأة، واتجهت نحوهم.
أسرع أرثر إلى غرفته، ومَدَّد إليرا على السرير بحذر. "سيربانيس... لقد طردت روحها من جسد إليرا."
دخلت ميجدالين وخلفها غولي ومارتا، وجميعهم ينظرون إلى المشهد بذهول.
"أحبستها في الوعاء السحري كما اتفقنا؟" سألت ميجدالين بلهفة.
هز أرثر رأسه بحزن. "لم أكن مستعدًا... لقد هربت... روحها طليقة الان."
ساد صمت ثقيل في الغرفة. ثم تقدم أرثر ليفحص إليرا بسحره، لكن ميجدالين اعترضت طريقه.
"دعني أفحصها أنا. أنت متعب جدًا." دفعته بلطف جانبًا، وعينيها تلمعان بغيرة خفيفة.
"لكنني..." حاول الاعتراض.
"لا نقاش في ذلك! اجلس واسترح." قاطعه بصوت حازم لكنه رقيق.
من الزاوية، قال فزاعة لغولي: "انظر! إنها تغار عليه!"
رد غولي: "هل هذا طبيعي عند البشر؟"
"أوه نعم! إنه علامة على الحب!" قال فزاعة وهو يرمي بطرفة عين.
بدأت ميجدالين تفحص إليرا بسحرها، بينما كانت مارتا تقف عند الباب تبتسم لهذا المشهد الغريب.
قالت مارتا: "ما رأيكم في غيرتها هذه، أليس هذا جميلاً؟"
رد غولي: "نعم! ولكني ما زلت أفضّل تحولي إلى فيل بأجنحة عن تلك الغيرة البشرية القاتلة!"
ضحك الجميع، وكسرت كلماتهم حدة التوتر في الغرفة.
أخيرًا، التفتت ميجدالين إلى أرثر. "إليرا بخير... لكن أثر سيربانيس لا يزال في روحها. تحتاج إلى وقت لتعود بالكامل."
نظر أرثر إليها بعينين شاكريتين. "شكرًا لكِ... لقد كنتِ رائعة."
"شكراً." ثم همست في أذنه: "لكننا سنتحدث لاحقًا يا أرثر."
ابتسم أرثر وهو يعلم أن المعركة القادمة قد تكون أصعب من مواجهة الأموات.
غضب الروح الطليقة:
خرجت روح سيربانيس الهاربة من مقبرة السحرة كسحابة سوداء متمردة، تتلوى في الهواء بغيظ شديد. كانت تبحث يائسة عن جسد جديد تسكنه، لكن قواها أصبحت ضعيفة بعد المعركة الأخيرة.
"يجب أن أجد جسداً... أي جسد..." همست بصوت مبحوح بينما كانت تنجرف مع الرياح.
بعد ساعات من البحث، لم تجد سوى كلب ضال نائم تحت جسر حجري. كان جسداً وضيعاً بالنسبة لها، لكنه كان الملاذ الوحيد.
"كلب؟! أنا سيربانيس العظيمة... سأصبح كلباً؟!" صرخت روحها الغاضبة.
لكن الضرورة لا تعرف الكبرياء. انقضت روحها على جسد الكلب النائم مجبرة.
استيقظ الكلب فجأة، وعيناه تتقدان بضوء أحمر غريب. بدأ ينبح بصوت بشع، ثم تكلم بصوت سيربانيس المبحوح: "أرثر... هذا كله بسببك!"
كانت تشعر بالذل والغضب. حاولت استخدام سحرها، لكن كل ما استطاعت فعله هو إطلاق شرارات ضعيفة من عيني الكلب.
"هل هذا ما آلت إليه الأمور؟! أن أصبح كلباً! أنا التي كنت أهدد الممالك!" نبحت بصوت مليء بالكراهية.
جلست على رجليها الخلفيتين، وعيناها الحمراوان تحدقان في اتجاه منزل أرمان. "ستندم على هذا... سأجد طريقة... سأعود أقوى من قبل."
بدأت تخطط بغضب: "سأجمع الظلال المتبقية... وسأجعل موتك بطيئاً ومؤلماً."
ثم أطلقت عواء طويلاً مليئاً بالحقد: "استمتع بانتصارك المؤقت يا أرثر... لأن معركتنا الحقيقية لم تبدأ بعد!"
ركضت بعيداً في الظلام، كلباً صغيراً يحمل روحاً شريرة تبحث عن انتقامها.
غيرة القلب:
جلست ميجدالين في غرفة المعيشة، عيناها تشعان بغضب صامت وأصابعها تنقر على ذراع الأريكة بنبرة متوترة. دخل أرثر بحذر، يعلم تماماً ما ينتظره.
"حبيبتي... يمكنني أن اشرح" بدأ بهدوء.
انفجرت كالبركان: "تشرح؟! تترك روح سيربانيس تهرب ثم تعود حاملاً الفتاة بين ذراعيك وتتوقع مني أن أصدق أنك لم تكن مستعداً؟!"
"لكن الأمر لم يكن كما تظنين..."
"ألم أقل لك أن تنتظر المساعدة؟ ألم أحذرك من التهور؟ ولكن لا... الأمير العظيم يعرف كل شيء ولا يستمع لغيره!"
من خلف الباب، كان فزاعة وغولي يتنصتان بفضول. "انظر! إنها تغلي كقِدر الحساء!" همس فزاعة.
"ما هذا الصوت؟" قال غولي محاولاً الرؤية بشكل أفضل، فداس بالخطأ على قدم فزاعة.
"آه!" صرخ فزاعة وقفز إلى الداخل، وسحب غولي معه فسقطا معاً في منتصف الغرفة بشكل كوميدي.
ساد صمت محرج. حاول فزاعة التبرير: "لقد كنا... كنا نبحث عن الهواء النقي!"
أضاف غولي: "نعم! الهواء هنا نقي جداً... ومليء بالهدوء!"
نظرت ميجدالين إليهما بنظرة قاتلة. "أتتجسسان علينا؟"
قال فزاعة بذكاء: "أبداً! لقد شعرنا بسخونة الجو فأتينا لنبحث عن بعض الهواء! أليس كذلك يا غولي؟"
"أوه نعم! إنه محق... وأتينا هنا لاستنشاق النسيم." قال غولي وهو يحاول لملمة شتات نفسه.
أدرك فزاعة أن الموقف ميؤوس منه، فقفز فجأة نحو النافذة: "أعتقد أن حان وقت الهرب!"
حاول غولي تقليده: "انتظرني أيها النذل!" لكن حجمه المتقزم جعله يتعلق بإطار النافذة.
"اسحبني أنا عالق!" صاح غولي.
من الخارج، سمعوا صوت فزاعة: "لا أستطيع! أنت ثقيل جداً!" ثم صوت سقوط وشجار.
بعد أن خرج الاثنان، التفت أرثر إلى ميجدالين مبتسماً: "هل انتهت عاصفتك؟"
"لا تظن أنك ستتهرب بهذه السهولة!" لكن صوتها أصبح أقل حدة.
أمسك بيدها: "أعدك بأنني سأكون أكثر حذراً من أجلك."
"هذا كل ما أريده... أن تعود لي سالماً." همست وهي تندم على غضبها.
احتضنها: "أنتِ أغلى ما لدي..."
ثم أضاف بمشاكسة:"لكن يجب أن أعترف... إليرا كانت جميلة بعض الشيء!"
صفعته على كتفه ضربة بقوة:"اخرج من هنا!"
ضحك وهرب من الغرفة بينما كانت تطارده وبيدها بوسادة.
تحالف الظلام:
بينما كانت سيربانيس في جسد الكلب تتجول في الأزقة المظلمة، شعرت بوجود قوي يناديها من الظلال. "أيتها الروح الأفعوانية... أتبحثين عن القوة الحقيقية؟"
خرج من العتمة رجل طويل القامة يرتدي رداءً أسود مزيناً برموز أرجوانية غامضة. عيناه تتقدان بلون بنفسجي عميق، وفي يده عصا منحوتة على شكل أفعى متحجرة. "أنا مالاكور... التلميذ الذي خذله أرمان."
ارتجف جسد الكلب. "مالاكور؟ ذلك الذي طرده أرمان لمحاولته السيطرة على قوة السحر العليا؟"
"نعم... لأنه خاف من طموحي." قال مالاكور بصوت مليء بالحقد. "والآن ها هو ابنه يعود ليكمل ما بدأه والده."
"وماذا ستقدم لي؟" سألت سيربانيس بحذر وهي تشعر بقوة هذا الساحر.
"أستطيع منحك جسداً مؤقتاً... جسداً يستطيع استيعاب قوة السحر العليا التي تريدينها." قال مالاكور وهو يرفع قارورة تحتوي على سائل أرجواني متوهج. "هذا سيرم مصنوع من دماء السحرة الأوائل... سيمنحكِ جسداً بشرياً مؤقتاً، لكنه سيكون قوياً بما يكفي لاحتواء القوة التي تسعين إليها."
"جسد مؤقت؟" همست سيربانيس وهي تتأمل القارورة.
"نعم... لكنه سيمكنك من استيعاب قوة السحر العليا التي طالما حلمتِ بها." ابتسم مالاكور ابتسامة ماكرة. "وبعد أن تنالين ما تريدين، سنعمل معاً للسيطرة على مملكة السحرة بالكامل."
شربت سيربانيس المحتويات، وبدأ جسد الكلب يتحول بشكل مؤلم. انكمش الفراء، وامتدت الأطراف، حتى أصبحت في هيئة امرأة طويلة القامة بعيون حمراء متوهجة وأنياب حادة.
"أشعر بالقوة!" قالت سيربانيس وهي تفحص جسدها الجديد.
"هذه مجرد البداية." قال مالاكور. "والآن لنخطط لما سنفعله لنأخذ ما نستحقه... قوة السحر العليا التي يخبئها أرثر في داخله."
في منزل أرمان، شعر أرثر برعشة مفاجئة. الخنجر الذهبي في يده اهتز بعنف، ونور ذهبي خافت انبثق منه يحذر من خطر قريب.
"هناك شيء ما يقترب!" همس أرثر وهو يمسك الخنجر بقوة.
نظر إلى ميجدالين التي كانت تجلس بجانبه، ثم إلى النافذة حيث بدأت الغيوم السوداء تتجمع. "يبدو أن المعركة القادمة ستكون أخطر مما توقعنا."
تحذير من الظلام:
في غرفة المكتبة بمنزل أرمان، كان أرثر يمشي بخطوات متوترة ذهاباً وإياباً، جبينه يتصبب عرقاً بارداً. الخنجر الذهبي في يده كان يهتز بطريقة غريبة، لكن الرابط بينه وبين سيربانيس كان معتماً كلياً.
"لا أستطيع رؤية أي شيء... كأن قوة غريبة حجبتها عني." همس وهو يمرر أصابعه على سطح الخنجر.
دخلت ميجدالين الغرفة، نظرات القلق بادية على وجهها. "ربما هي التي حجبت نفسها عنك عمداً."
"مستحيل! قوتها ضعفت كثيراً بعد المعركة الأخيرة." رد أرثر وهو يهز رأسه.
فجأة، ظهر فزاعة في منتصف الغرفة في ومضة ضوء، أنفاسه تتسارع وعيناه واسعتان. "هي ليست وحدها! هناك شخص آخر معها!"
"من؟ من هو؟" سأل أرثر بريبة.
"مالاكور! تلميذ والدك المطرود! رأيتهما معاً عند أطراف المدينة!"
"مالاكور؟" توقف أرثر للحظة، محاولاً استعادة الذاكرة. فجأة، عادت إليه الصورة: رجل طويل القامة بعيون بنفسجية، يجادل والده في مكتبة السحر المحرم. "ذلك الذي حاول سرقة أسرار القوة العليا!"
"نعم! لقد عاد، وتحالف مع سيربانيس!" قال فزاعة بصوت مرتجف.
"اثنان؟ كيف سنواجه اثنين من أقوى أعدائنا؟" همست ميجدالين وهي تمسك بذراع أرثر.
قبل أن يتمكنوا من مناقشة الخطط، دخل غولي الغرفة مسرعاً، عيناه تلمعان بالذعر. "سيدي أرثر! المدينة كلها تحترق! هناك مخلوقات غريبة تهاجم من كل مكان!"
ركض الجميع إلى النافذة، فرأوا ألسنة اللهب تتصاعد من منازل شادوماير، ومخلوقات من حجر ونار تتحرك في الشوارع كجيش من الجحيم.
"هذه ليست ظلال... هذا جيش مالاكور!" قال أرثر بصوت غاضب.
أمسك بالخنجر الذهبي بقوة، عيناه تتقدان بالتصميم. "حان وقت المواجهة."