خليلي عزرائيل الانيق - Chapter Ten | روايتك

اسم الرواية: خليلي عزرائيل الانيق
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: Chapter Ten

Chapter Ten

الفصل العاشر: طغيانُ الصمت.. وغطرسةُ اليقين (بقلم: سلاف) لم يكن انِبلاجُ الفجرِ رفيقاً، بل جاء مباغتاً كاستردادِ دَينٍ مُؤجل. ألفيتُني أُصارعُ يقظةً مُرّة، لِيقعَ بصري على "عزرائيل"؛ شاخصاً كطيفٍ مَلَكيٍّ أمامَ النافذة، يتدثرُ بعباءةِ الضياءِ الشاحب، وبينَ أناملهِ ذلك "المُجلدُ الأسود" كأنهُ ميثاقٌ بائد. كانَ يقلبُ صفحاتِهِ بوئيدِ الحركات، وكأنَّ لَمساتِهِ تمحو أثرَ الدَّمعِ الذي أهرقتُهُ فوقَ سطورِهِ غِيلة. استجمعتُ شتاتَ نفسي، ونبذتُ دِثارَ الخوفِ عن كبريائي، ثم قلتُ بنبرةٍ صُلبةٍ يكسوها الترفع: "أما لِحُرمةِ الخلوةِ في قانونِكَ مَقام؟ أم أنَّ سَطوتَكَ تبيحُ لكَ استلابَ خبايا السطورِ كما استبحتَ سكونَ الروح؟" استدارَ نحوي بوقارٍ صقيعيّ، وعيناهُ الجارحتانِ تَغورانِ في كوامنِ نَفسي، ونطقَ بكلماتٍ مسبوكةٍ كأنها قَدَرٌ محتوم: "الأسرارُ يا سلافُ مَلاذُ العاجزين، ومَن بيدهِ مَقاليدُ المُلْكِ لا يستأذنُ الدخولَ إلى حِصنٍ هو سَيّدُهُ. لقد استنطقتِ رَماداً كانَ الأحرى بكِ تركُهُ لِلنسيان.. فهل أروتِ الحقيقةُ غليلَكِ، أم أنَّ نَصلَ المعرفةِ كانَ أحَدَّ مما احتملهُ فؤادُكِ؟" اعتدلتُ في مخدعي، ورمقتُهُ بنظرةٍ متمردةٍ تأبى الانكسار: "وجدتُ في صَحائفِكَ أثارةً من آدميٍّ كبّلَهُ الشجن، وطفلاً يَنشجُ خلفَ قِناعِ الجبروت. فهل رَاعَكَ أنني أبصرتُ وَهَنَكَ المستترَ خلفَ هذا الصّوان؟" طبقَ المجلدَ بوقعةٍ زلزلتْ أركانَ الجناح، وخطا نحوي بئيدِ الركضِ الذي يسبقُ العاصفة، ثم انحنى فوقي حتى لَفحَني ببرودةِ أنفاسِهِ التي تُشبهُ ريحَ الفناء، وقال بلفظٍ موجزٍ كزفرةِ الموت: "البصيرةُ دونَ بأسٍ هي هلاكٌ مَحض. لا تَخلطي بينَ شَبَحِ طفلٍ تَوهمتِ إدراكَهُ، وبينَ الكيانِ الذي يَستلبُ الآنَ مَجالَ أنفاسِكِ. أنتِ تلهثينَ خلفَ سَرابٍ في مَهامةٍ مَهجورة." أشارَ بيدهِ نحو الرَّحيلِ بآمريةٍ لا تُرد: "كَفّي عن هذا اللغوِ العقيم. مائدةُ القِرى تنتظر، ولا أرومُ زاداً يَفسدُ بانتظارِ اعتذارٍ أعلمُ أنَّ عِنادَكِ لن يَمخضَ عنهُ." تَبِعتُهُ إلى رِحابِ القاعة، حيثُ اصطفتِ الأطباقُ بترفٍ جنائزيّ. جلستُ قبالتَهُ كخَصمٍ يرقبُ حَذَرَ خَصمِهِ، وقلتُ بحدة: "إياكَ وممارسةَ غَوامضِكَ أو نَفثِ شعوذاتِكَ على هذا الخِوان.. أريدُ قِرىً لا تُعكرهُ أطيافُكَ ولا صَمتُكَ الذي يَستفزُّ سواكنَ الغضب." رفعَ حاجبهُ بتهكمٍ مَرير، ونبسَ بيقينٍ مُرعب: "وماذا عساكِ فاعلةٌ لو فَعَلت؟ أستلوذينَ بالفرارِ، أم سَتكتفينَ بتلك النظراتِ التي تظنينها شجاعةً وهي لعمري مَحضُ بلاهة؟" لم أُحر جواباً، بل أخرجتُ لساني لهُ بتمردٍ طفوليٍّ مباغتٍ هتكَ حُرمةَ الهيبة، وبدأتُ القَضمَ ببرودٍ مُصطنعٍ وعينايَ تَسبرانِ أغوارَ سكناتِه. وفي مِحرابِ عقلي، رحتُ أُنقبُ عن أعذارٍ تَليقُ ببهائِهِ المُظلم: "ويحَ قلبي! كيفَ يَجتمعُ هذا الجمالُ الباذخُ مع القسوةِ الفتاكةِ في نِصابٍ واحد؟ لربما كانَ فريسةً لِظلمٍ نَحرَ إنسانيتَهُ قبلَ مَشيبِ الروح. هذا الوجعُ الذي نَضحَ من مذكراتِهِ هو الذي صهرَ مَعدنهُ وحوّلهُ إلى نُورٍ أسود. ليس شيطاناً مَحضاً، بل هو غريقٌ تَقاذفتُهُ أمواجُ الفَقد." فجأةً، اشرأبَّ صوتُهُ في سكونِ القاعةِ كصاعقةٍ مَزقتْ حُجبَ الغيب، دونَ أن يَرفعَ بصرَهُ عن مائدتِه: "لستُ بَريئاً لِتَلتمسي لي مَخرجاً، ولا مَظلوماً لِتنسجي لي ثوبَ الرثاء. أنا كِيانٌ قايضَ ضَميرَهُ بالبقاء، فلا تَرأبي صَدعَ بَشاعتي في مِخيلتِكِ السقيمة." تجمدتُ واللقمةُ في حَلجِي، وسرتْ رِعدةُ الموتِ في أوصالي. اتسعت عيناي بذهولٍ مُذعرٍ وسألتُه: "أأنتَ.. تَخترقُ حِمى أفكاري أيضاً؟! ألا يَكفيكَ تقييدُ حريتي حتى تَستبيحَ قُدسيةَ خَواطري؟" نَحّى الشوكةَ بوقارٍ مَهيب، ونظرَ إليَّ بعينينِ كالبحرِ المسجور: "أنتِ من تُفكرينَ بضجيجٍ يَصمُّ الآذان، أو لربما هي رُوحُكِ العاريةُ التي تفتقرُ لِسِترِ الكِتمان، فتتهاوى قِلاعُها أمامَ بصيرتي. كُفّي عن محاولةِ (ترميمي) في عَقلِكِ.. فما انكسرَ فيَّ لا يَجبرُهُ بَشر." اندفعتُ قائمةً بفيضٍ من الحَنق، وزأرتُ به: "بل أنتَ مُتلصصٌ لئيم! سارقُ عقولٍ ومنتهكُ سيرة، تماماً كما أنتَ حاصدٌ بلاهُويةٍ ولا قَلب!" رَدَّ بكلمتينِ ثقيلتينِ كالصَّخر، وهو ينهضُ مُغادراً: "بل أنتِ.. بلا عَقل."