الصدى الاول
لم تكن الساعة الرابعة فجراً مجرد توقيت بالنسبة لـ **"سارة"**، بل كانت موعدها المقدس مع السكون. أنهت صلاتها، وجلست على سجادتها ترتب أفكارها قبل أن تبدأ ضوضاء العالم. لكن هذا السكون تبدد فجأة بصوت تنبيه غريب من حاسوبها المحمول، صوت لم تسمعه من قبل.
كانت رسالة بريد إلكتروني، مشفرة، وعنوانها يبعث على القلق: **"ما لم يخبركِ به الوقت.. بدأ الآن"**.
فتحت سارة الرسالة بِيَدٍ ترتجف قليلاً، لم تجد نصاً طويلاً، بل وجدت صورة لساعة رملية مكسورة، وإحداثيات جغرافية تشير إلى المكتبة الوطنية القديمة، وتحتها جملة واحدة: *"الحقيقة لا تحتاج إلى عينين، بل إلى بصيرة"*.
استعاذت سارة بالله من الشيطان الرجيم، وحاولت تحجيم قلقها. هي تعلمت كباحثة في علم النفس الجنائي أن الخوف هو أول عدو للمنطق. ارتدت حجابها وثوبها بوقار، وحملت حقيبتها متجهة إلى العنوان.
عند وصولها للمكتبة، وجدت شخصاً واقفاً بانتظارها. كان شاباً يبدو في الثلاثين، ملامحه هادئة جداً، لكن عيناه كانت تتحركان بدقة ترصد كل شيء. سكنت سارة قليلاً، واستجمعت ما تعلمته في **"فن الفراسة"** لتفهمه قبل أن ينطق.
> **(معلومة للقارئ):** في علم الفراسة، الشخص الذي يشبك يديه خلف ظهره وهو ينتظر، هو شخص يثق بنفسه وبسلطته على الموقف، أما من يضع يديه في جيوبه فهو غالباً يخفي سراً أو يشعر بعدم الارتياح.
>
قالت سارة بصوت واثق: "أنت من أرسل الرسالة يا سيد..؟"
التفت إليها الشاب، وقال بابتسامة باهتة: "أنا **'يوسف'**.. وكنت أختبر بصيرة مَن سأعمل معه. وصولكِ في هذا الوقت، وبدون مرافق، وبثبات انفعالي واضح في مشيتكِ، يخبرني أنني اخترت الشخص الصحيح."
قاطعته سارة بحدة ذكية: "أنا هنا لأنني لا أحب الألغاز التي تمس أمن الناس. ملامحك تخبرني أنك لم تنم منذ يومين، وطريقة وقوفك المائلة قليلاً لليسار تدل على أنك تحمل هماً ثقيلاً أو مسؤولية لا تريدها. أخبرني يا يوسف.. ماذا يريد الوقت منا؟"
اتسعت عينا يوسف ذهولاً، فقد أصابت في تحليلها. أخرج من جيبه مفتاحاً نحاسياً قديماً وقال: "هذا المفتاح يخص خزانة جدي التي فُقدت منذ أربعين عاماً. الخزانة لا تحتوي على مال، بل تحتوي على وثائق تثبت أن ما نعرفه عن تاريخ (عائلتنا والمدينة) ليس إلا كذبة كبرى غلفها الزمن."
وفجأة، وقبل أن تلمس سارة المفتاح، انطفأت أنوار المكتبة تماماً، وسُمع صوت تحطم زجاج في الطابق العلوي. همس يوسف: "لقد وصلوا.. يبدو أن الوقت ليس الوحيد الذي يخفي الأسرار."
**نهاية الجزء الأول من الفصل الأول**