اقتباسات فيا ترى ماذا تفعل لنا؟ - وجوه مستعارة البحث عن ملامح لم تكتب - بقلم ياسمين - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: اقتباسات فيا ترى ماذا تفعل لنا؟
المؤلف / الكاتب: ياسمين
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: وجوه مستعارة البحث عن ملامح لم تكتب

وجوه مستعارة البحث عن ملامح لم تكتب

خرجتُ من المقهى والشارع يبتلعني. كانت الأضواء تنعكس على الإسفلت المبلل كأنها لوحة سريالية، لكن عقلي اللعين لم يتوقف؛ فوراً قفزت إلى ذهني أوصاف "فيكتور هوغو" لشوارع باريس. لعنتُ ذاكرتي. ألا يمكنني رؤية الشارع مجرد شارع؟ دون أن أستحضر تاريخ الأدب في كل خطوة؟ بدأتُ أمشي بلا هدف، أراقب الوجوه العابرة. كانت زحمة بشرية هائلة، لكنني شعرتُ أنني أسير في "مكتبة بشرية" متحركة. هذا الرجل الذي يرتدي معطفاً طويلاً ويمشي مطأطأ الرأس، أليس هو "راسكولنيكوف" بطل دوستويفسكي؟ وتلك الفتاة التي تضحك بصوت عالٍ وهي تمسح دمعة خفية، أليست نسخة عصرية من "مارغريت غوتييه"؟ كل وجه أراه كان يبدو لي "مقتبساً". الناس لا يعيشون حياتهم، بل يؤدون أدواراً سُرقت من الأفلام، والمسلسلات، ومنشورات "فيسبوك" الباهتة. حتى غضبهم كان مبرمجاً، وفرحهم كان يبدو وكأنه "سيلفي" مُعد مسبقاً للعرض. وقفتُ أمام واجهة محلٍ تجاري، رأيتُ انعكاسي في الزجاج. "من أنت؟" سألتُ ظلي. لم يأتِ الجواب بصوتي، بل جاء بصوت ألف كاتب قرأتُ لهم. شعرتُ برغبة عارمة في أن أنتزع جلدي، أن أخلع عني كل الأفكار التي حشاها المجتمع والأدب في رأسي، لأرى ما الذي سيبقى. هل سيبقى شيء؟ أم أنني بصلة، كلما قشرتُ منها "طبقة مقتبسة" اكتشفتُ أن لا قلب لها في المركز؟ دخلتُ إلى زقاق ضيق بعيد عن صخب الشوارع الرئيسية. هناك، رأيتُ مشهداً لم أستطع تصنيفه فوراً. كان هناك رجل عجوز يجلس على صندوق خشبي، يمسك بقطعة خبز جافة، ويطعم قطة شوارع عرجاء. لم يكن هناك جمهور يراقبه، لم يكن هناك كاميرا، ولم تكن هناك "جملة شاعرية" تقال. اقتربتُ منه بهدوء. كان العجوز يهمس للقطة بكلام غير مفهوم، لغة ليست عربية، ولا إنجليزية، ولا هي لغة أدبية. كانت "همهمات" بدائية، نابعة من جوعٍ قديم وحنانٍ أقدم. قلتُ له بصوت خفيض: "يا عم.. لماذا تطعمها وأنت تبدو محتاجاً لهذا الخبز أكثر منها؟" نظر إليّ العجوز بعينين غائرتين، لم أرَ فيهما حكمة الكتب، بل رأيتُ فيهما تعب السنين الخام. قال لي جملة هزت أركاني: "لأنها جائعة.. والجوع لا يحتاج إلى سبب." بقيتُ واقفاً في مكاني لدقائق. "الجوع لا يحتاج إلى سبب". هذه الجملة.. هل سمعتها من قبل؟ هل قرأتها في مسرحية لـ "صموئيل بيكيت"؟ بحثتُ في أرشيف رأسي المحشو، قلبتُ صفحات الذاكرة يميناً ويساراً.. لم أجدها. لأول مرة منذ سنوات، شعرتُ أنني أمام "نص أصلي". شعرتُ برعشة في يدي، أخرجتُ هاتفي، فتحتُ التطبيق، وكتبت: «رأيتُ اليوم رجلاً لا يقتبس أحداً. كان يطعم قطة بقطعة من روحه، لا من خبزه. هل الأصالة تكمن في البساطة التي تسبق اللغة؟ هل نحن نقتبس لأننا نحاول تعقيد الأشياء البسيطة؟» لكن الفرحة لم تدم. بمجرد أن كتبتُ الجملة، شعرتُ أنني "لوثتُ" المشهد. بمجرد أن وضعتُه في قالب كلمات، حولتُه إلى "اقتباس" جديد سيقرأه شخص ما يوماً ما ويظن أنه فهم الحقيقة. عدتُ إلى بيتي، الغرفة كانت مظلمة إلا من نور شاشة هاتفي. جلستُ على السرير، وبدأتُ أكتب الفصل الثالث في التطبيق، لكنني هذه المرة لم أكن أكتب لأمسح. كنت أكتب لأحاصر ذلك الشعور قبل أن يهرب، قبل أن تحوله ذاكرتي إلى مشهد كلاسيكي ممل. ليلى كانت محقة، أنا أحب الصور والخيالات. ولكن، ماذا لو كانت هذه الصور هي كل ما نملك؟ ماذا لو كانت حياتنا عبارة عن "كولاج" كبير من الاقتباسات، والذكاء ليس في أن نكون "أصليين"، بل في أن نختار من نقتبس وكيف ندمج تلك النصوص لنصنع منها "لحناً" خاصاً بنا؟ نظرتُ إلى الساعة، كانت الثالثة فجراً. الوقت المفضل للمجانين والكتّاب. فتحتُ نافذة المحادثة مع ليلى. كتبتُ لها: «وجدتُ رجلاً اليوم، لم يكن يقتبس أحداً. كان يطعم الجوع بالصمت. هل تظنين أن الصمت هو النص الوحيد الذي لا يمكن تزويره؟» لم أرسل الرسالة. مسحتُها. وضعتُ الهاتف تحت وسادتي، ونمتُ وأنا أسمع صدى همهمات العجوز في أذني، صدىً لم أستطع، ولن أستطع، أن أضعه بين علامتي تنصيص