بياض الورقه. .... وفوبيا الفراغ
رحلت ليلى. تركت خلفها فنجان قهوة بنصف شفة مصبوغة بأحمر الشفاه، وبقايا رائحة عطر يذكرني بفيلم فرنسي قديم لم أعد أذكر اسمه. رحلت وتركتني معلقاً في الهواء، كفاصلة منقوطة في جملة لم تنتهِ بعد. نظرتُ إلى مكاني، إلى يدي التي كانت تقبض على القلم، وبدت لي غريبة عني، كأنها يد استعرتها من تمثال في متحف مهجور.
فتحتُ الدفتر. كانت الصفحة بيضاء، بيضاء لدرجة أنها كانت تصرخ في وجهي. هذا البياض لم يكن مساحة للإبداع، بل كان ساحة إعدام لكل فكرة تراودني. حاولت أن أكتب شعوري اللحظي تجاه غيابها، فكرت في كلمة "حزن"، لكنني تذكرت فوراً "كافكا" وهو يتحدث عن حزنه، فبدت كلمتي باهتة. فكرت في "الفقد"، فقفزت إلى ذهني أشعار "المتنبي" و"دراويش"، فشعرت بالخجل من نفسي.
"لماذا تبدو كل الكلمات مستعملة؟" سألتُ نفسي بصوتٍ مسموع، فالتفت إليّ صاحب المقهى مستنكراً.
بدأتُ أكتب وأمسح. الحبر كان ينسال على الورق كدماء جرح قديم لا يريد أن يندمل. كتبت: «أنا وحيد الآن». ثم شطبتها. كلمة "وحيد" مستهلكة، قيلت ملايين المرات في أغاني الراديو الرديئة. غيرتها إلى: «الفراغ الذي تركتهِ خلفكِ يملأ الرئة بدلاً من الأكسجين». تباً! هذه استعارة مسروقة من رواية قرأتها في المراهقة.
بدأتُ أشعر بالغثيان. هل يمكن للإنسان أن يصل لمرحلة لا يعود فيها قادراً على تمييز صوته الحقيقي؟ هل أنا مجرد "ميكس" (خليط) من مئات الكتب التي قرأتها؟ هل أحببتُ ليلى فعلاً، أم أنني كنت أؤدي دور "العاشق المثقف" كما تقتضي الحبكة الدرامية؟
مرت ساعة، ثم ساعتان. تحول المقهى من صخب النهار إلى هدوء المساء الحذر. بدأتُ أراقب النادل وهو يمسح الطاولات. كانت حركاته آلية، مكررة، "مقتبسة" من آلاف النوادل الذين سبقوه. هل يدرك هو الآخر أنه مجرد نسخة؟ أم أن جهله بهذه الحقيقة هو ما يجعله سعيداً؟
أخرجتُ هاتفي، فتحتُ التطبيق الذي أهرب إليه دائماً. التطبيق الذي أكتب فيه لأمسح. وضعتُ إصبعي على الشاشة، وبدأت الكلمات تتدفق دون تفكير، كانت محاولة يائسة لتحطيم قيد "الاقتباس":
«أنا الآن في مواجهة الحبر الذي لا يجف. الحبر الذي يرفض أن يتحول إلى حقيقة. ليلى قالت إنني اقتباس مشوه، وربما هي محقة. نحن نعيش في عصر "النسخ"، حيث لا يوجد أصل لكل هذا الزحام. ولكن، أليس الألم الذي أشعر به الآن أصلياً؟ أليس نبض قلبي المتسارع، خوفاً من أن أكون "لا أحد"، هو شعور يخصني وحدي؟»
توقفتُ عن الكتابة. نظرتُ إلى السطر الأخير. شعرتُ بشيء من الرضا، ليس لأن الكلمات كانت عبقرية، بل لأنني لأول مرة، لم أفكر في كاتب آخر وأنا أضع النقطة في نهاية السطر. لكن سرعان ما عاد الشك يهمس في أذني:
"أليست فكرة الشك في الأصالة هي بحد ذاتها فكرة مقتبسة من الفلسفة الوجودية؟"
ضحكتُ بمرارة. يبدو أنني محاصر في مرآة تعكس مرآة أخرى إلى ما لا نهاية. أغلقتُ الدفتر، وضعتُ ثمن القهوة على الطاولة، وخرجتُ إلى الشارع. كان الهواء بارداً، وكان الناس يمشون بخطوات تبدو لي وكأنها نصوص تتحرك. قررتُ أنني لن أعود للمنزل. سأمشى حتى أجد شيئاً واحداً.. شيئاً واحداً فقط.. لا يمكن وضع علامتي تنصيص " " حوله