عرش الزمن - الفصل 11 — ولادة المدينة تبدأ - بقلم أشرف مغليفي | روايتك

اسم الرواية: عرش الزمن
المؤلف / الكاتب: أشرف مغليفي
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل 11 — ولادة المدينة تبدأ

الفصل 11 — ولادة المدينة تبدأ

لم تبدأ المدينة بالحجارة. ولا بالأسوار. ولا حتى بالأرض. بدأت بفكرة. وهذا ما فهمه الشاب أخيرًا. في عالمه، الناس اعتادوا أن يبنوا لكي ينجوا من الشتاء أو الحرب أو الجوع، ثم يتركون كل شيء ينهار من جديد. لم يكن أحد يفكر في “مدينة” باعتبارها نظامًا دائمًا، بل كمكان مؤقت يتغير مع الخوف. لكنه لم يعد يرى الأمور بالطريقة نفسها. بعد أسابيع طويلة من قراءة الرسومات والملاحظات التي ترسلها الفتاة، بدأ يدرك أن المشكلة ليست في نقص الرجال أو الموارد فقط… بل في غياب التنظيم الذي يجعل كل شيء يعمل معًا بدل أن يستهلك نفسه. ولهذا بدأ يبحث عن الناس المختلفين. ليس الأقوى. بل الأذكى في مجاله. جمع أولًا رجلاً عجوزًا كان معروفًا ببراعته في بناء الجدران الحجرية رغم فقره. ثم فلاحًا يفهم الأرض أكثر مما يفهم الكلام. ثم صاحب قوافل يعرف الطرق القديمة ومسارات المياه. ثم حدادًا هادئًا اعتاد إصلاح الأدوات بدل صنع السلاح فقط. لم يخبرهم بالحقيقة. لم يقل إن المعرفة جاءت من زمن آخر. بل عرض عليهم الفكرة كما لو أنها نتيجة مراقبة طويلة للعالم. في البداية، لم يقتنعوا. بعض الرسومات بدت غريبة. بعض التقسيمات غير مألوفة. وبعض الاقتراحات بدت معقدة أكثر من اللازم لعالم يعيش على حافة الانهيار. لكن شيئًا واحدًا جعلهم يستمرون في الاستماع إليه: كل ما اقترحه سابقًا… نجح. في إحدى الليالي، نشر الرسومات فوق طاولة خشبية داخل مبنى نصف مهدّم. كانت المرة الأولى التي يرى فيها آخرون ما يراه هو داخل رأسه. خطوط مستقيمة بدل الأزقة العشوائية. مخازن قريبة من مركز التوزيع. أماكن مخصصة للحرفيين. قنوات ماء تمر قرب التجمعات السكنية. ومساحة مركزية للسوق بدل الفوضى المتفرقة. ساد الصمت. ليس لأنهم فهموا كل شيء… بل لأنهم شعروا أن ما أمامهم أكبر من مجرد “ترتيب جديد”. كان يبدو كأن شخصًا ما فكّر في المدينة قبل أن تُبنى. قال الفلاح أخيرًا: “إذا نُقلت المياه بهذه الطريقة… ستبقى الأرض رطبة أطول.” وقال البنّاء وهو يحدق في الخطوط: “والشوارع الأوسع ستمنع الاختناق حين تتحرك العربات.” أما صاحب القوافل، فظل صامتًا طويلًا قبل أن يقول: “إذا صار السوق هنا… فكل الطرق ستنتهي عندنا.” حينها فقط، فهم الشاب شيئًا مهمًا: الناس لا تتبع الفكرة لأنها جميلة. بل لأنها تجعل حياتهم أسهل. بدأ العمل بعد ذلك بأيام. ببطء أولًا. إزالة الحجارة القديمة. تحديد المساحات. رسم الطرق بالحبال والخشب. حفر أول مجرى ماء صغير. وبناء مخزن مرتفع عن الأرض لحماية الحبوب. لم تكن هناك عظمة بعد. فقط رجال متعبون يعملون في أرض موحلة تحت سماء رمادية. لكن شيئًا كان يتغير. الفوضى بدأت تتراجع خطوة صغيرة. والنظام… بدأ يظهر لأول مرة. في الحاضر، كانت الفتاة تتابع ما يحدث عبر الرسائل المتقطعة والرسومات التي يعيد الشاب إرسالها بعد تعديلها بما يناسب واقعه. لاحظت شيئًا مهمًا. هو لم يعد ينفذ ما تقوله حرفيًا. بل بدأ يفهمه… ثم يطوره. وهذا أخطر بكثير. لأن المعرفة حين تُقلَّد تبقى محدودة. أما حين تُفهم… فإنها تبدأ بالنمو وحدها. وفي الليل، وصلتها رسالة قصيرة منه: “هم لا يعرفون ما الذي نبنيه بعد…” توقفت الرسالة للحظة، ثم أكملت: “وأنا أيضًا… لكني بدأت أرى شكله.”