عرش الزمن - الفصل 4— الصوت الأول يتكلم - بقلم أشرف مغليفي | روايتك

اسم الرواية: عرش الزمن
المؤلف / الكاتب: أشرف مغليفي
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل 4— الصوت الأول يتكلم

الفصل 4— الصوت الأول يتكلم

لم تعد الفتاة تنظر إلى البرميل كما كانت تنظر إليه في الليلة السابقة. لم يعد مجرد قطعة أثرية غريبة، ولا لغزًا علميًا يستحق التوثيق، ولا حتى فكرة سخيفة يمكن أن تُنسى مع انشغال النهار. كان شيئًا آخر الآن… شيء له وزن داخل عقلها، كأنه احتل مساحة لا يمكن تجاهلها دون ألم. وضعت البرميل على الطاولة. أمامها دفتر، أقلام، هاتف، جهاز تسجيل صوتي، وكل أدوات الشك الحديثة التي يفترض أنها تحمي الإنسان من الوقوع في الخرافة. لكنها كانت تعرف، في مكان ما داخلها، أن الشك لم يعد يعمل هنا. أخرجت القطعة المعدنية التي وصلت من الداخل في الليلة الماضية. حدقت فيها طويلًا. لا زخرفة مفهومة، لا لغة معروفة، ومع ذلك كانت تحمل إحساسًا غريبًا بالدقة، كأنها صُنعت في زمن يعرف معنى النظام أكثر مما تعرفه الحضارات التي درستها. كتبت رسالة جديدة. لم تعد هذه المرة تختبر فكرة. بل تختبر حقيقة: “إذا كنت إنسانًا… أجبني بكلمة واحدة. أين أنت؟” طوت الورقة، وضعتها داخل البرميل، وأغلقت عينيها لثانية واحدة فقط، كأنها تحاول إقناع نفسها بأن ما تفعله لا يخرج عن حدود العقل. ثم انتظرت. لكن الانتظار هذه المرة لم يكن طويلًا. في الماضي، كان الشاب جالسًا عند أطراف ما تبقى من قريته المحترقة، حين شعر بشيء مختلف. ليس صوتًا. ولا حركة. بل إحساس داخلي، كأن الصمت نفسه تغيّر. نهض بسرعة، اتجه نحو البرميل، وأزاح عنه الغطاء البدائي الذي وضعه لحمايته من أعين الآخرين. كان هناك شيء جديد. ورقة. أكثر نعومة من أي مادة يعرفها، أكثر بياضًا من أي جلد أو ورق صنعه البشر في عصره. لم تكن عليها رائحة النار أو الدخان أو الدم. كانت غريبة لدرجة أنها بدت كأنها غير متورطة في هذا العالم. قرأها بصعوبة. الكلمات لم تكن مفهومة بالكامل، لكنها كانت أقرب إلى لغة يمكن تفكيكها بالعقل، لا بالسحر. “إذا كنت إنسانًا… أجبني بكلمة واحدة. أين أنت؟” رفع رأسه ببطء. حولَه: أطلال. رماد. ريح باردة. صمت مدينة ماتت ولم يُعلن دفنها بعد. ثم نظر إلى البرميل. ولأول مرة، لم يفكر أنه شيء ملعون. بل شيء ينتظر جوابًا. في الحاضر، جلست الفتاة أمام الطاولة دون أن تتحرك. لم تلمس شيئًا. كانت فقط تنتظر. ثم، فجأة… سقط شيء داخل البرميل. صوت خفيف. نقطة تغيير صغيرة جدًا في عالم ثابت. انحنت بسرعة، أخرجت الورقة بيد مرتجفة. لم تكن تتوقع شيئًا واضحًا. لكنها وجدت جوابًا. ليس جملة. ليس شرحًا. كلمة واحدة فقط، مكتوبة بخط غير مألوف، كأن اليد التي كتبته لا تعرف لغتها جيدًا لكنها أصرت على المحاولة: “هنا.” توقفت يدها في الهواء. لم تبتسم. لم تخف. لم تصرخ. فقط… توقفت. لأن عقلها، بكل ما يملكه من منطق وتجربة ومعرفة، أدرك شيئًا بسيطًا وخطيرًا في نفس اللحظة: هذا ليس خداعًا. وليس صدفة. وفي مكان ما عبر الزمن، كان الشاب يحدق في البرميل نفسه، كأنه يسمع صدى كلمة لم ينطق بها بصوت، لكنه شعر بها داخل صدره. كأن المسافة بين “هنا” و”هناك” بدأت تتآكل. ببطء. وبلا رجعة.