عرش الزمن - الفصل 2— المدينة التي لا تنام - بقلم أشرف مغليفي | روايتك

اسم الرواية: عرش الزمن
المؤلف / الكاتب: أشرف مغليفي
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل 2— المدينة التي لا تنام

الفصل 2— المدينة التي لا تنام

لم تكن المدينة نائمة. المدن الحديثة لا تنام أصلًا، بل تستمر في الحركة كآلة عملاقة تخشى التوقف، لأن التوقف يعني أن تسمع الفراغ الذي بداخلها. الأضواء البيضاء كانت تغمر الشوارع حتى منتصف الليل، تنعكس فوق الزجاج والمطر والإسفلت الأسود، فيما تتدفق السيارات بلا انقطاع كأنهار معدنية باردة لا تعرف إلى أين تذهب. شاشات عملاقة تومض فوق الأبنية، تعرض وجوهًا تبتسم أكثر مما ينبغي، وإعلانات تعد الناس بالسعادة مقابل اشتراك شهري أو هاتف أحدث أو قهوة بطعم جديد. كل شيء كان يلمع. وكل شيء كان فارغًا. على الرصيف المقابل لمحطة القطار، عبرت فتاة بين مئات الوجوه المسرعة دون أن يصطدم بها أحد، لا لأن الناس منتبهون، بل لأن الجميع اعتادوا العبور قرب بعضهم كما تعبر الأشباح داخل جدران قديمة؛ وجود بلا احتكاك، حياة بلا لقاء. كانت ترتدي معطفًا داكنًا وتحمل حقيبة ممتلئة بالأوراق والكتب، بينما انزلقت خصلات شعرها المبللة بالمطر فوق وجه شاحب متعب. لم تكن جميلة بالطريقة التي تلتفت إليها المدن الحديثة، لكنها كانت تملك عينين مختلفتين؛ عينين تبدوان وكأنهما تبحثان دائمًا عن شيء ضاع منذ زمن طويل دون أن تعرف اسمه. وصلت إلى إشارة المرور فتوقفت. حولها: رجل يصرخ في سماعة هاتفه. شاب يضحك وحده أمام شاشة صغيرة. امرأة تجر طفلها بعصبية دون أن تنظر إليه. عامل توصيل يقود دراجته كأنه يهرب من كارثة. أما السماء، فلم تكن تُرى أصلًا. الأبراج الزجاجية حجبتها منذ سنوات. حين أضاءت الإشارة الخضراء، تحرك الجميع دفعة واحدة كقطيع مبرمج، بينما بقيت هي لثانية إضافية تحدق في انعكاس وجهها فوق واجهة متجر إلكترونيات. بدت غريبة عن المكان. كأن المدينة لفظتها منذ زمن لكنها لم تغادر بعد. تابعت سيرها حتى وصلت إلى بناية رمادية ضخمة تتوسط شارعًا مزدحمًا. فوق الباب الدوار كانت هناك لافتة معدنية أنيقة تحمل اسم شركة مزادات وتحف تاريخية شهيرة. دخلت بصمت، فاستقبلها هواء بارد ورائحة قهوة وآلات طباعة. في الداخل، كان الناس يتحركون بسرعة محسوبة: موظفون يحملون ملفات. خبراء آثار يناقشون قطعًا رومانية. أصوات لوحات المفاتيح. هواتف لا تتوقف. كل شخص هناك بدا وكأنه يؤدي دورًا محفوظًا بدقة. حتى الابتسامات كانت تبدو مدفوعة الراتب. مرت الفتاة بين المكاتب دون أن يرفع أحد رأسه نحوها. جلست أمام مكتبها الصغير قرب الجدار الزجاجي، ثم وضعت الحقيبة بهدوء وأخرجت ملفًا سميكًا مليئًا بصور مخطوطات قديمة. لساعات، لم تفعل شيئًا سوى: التدقيق التصنيف المقارنة إدخال البيانات حياة كاملة تُستهلك في ترتيب بقايا الموتى داخل أرشيف رقمي أنيق. في بعض الأحيان كانت تتوقف وتنظر إلى صور العملات القديمة أو الرسائل المحترقة القادمة من حضارات اختفت منذ قرون، وتشعر بشيء غريب؛ شيء يشبه الحسد. على الأقل أولئك الناس عاشوا حقًا. أما هذا العصر… فكان سريعًا أكثر من اللازم ليشعر بنفسه. عند المساء، بدأت المكاتب تفرغ تدريجيًا. انطفأت بعض الشاشات، وعمّ الصمت البارد المكان. جمعت أوراقها ببطء ثم غادرت المبنى نحو الشارع الذي ازدادت أضواؤه لمعانًا مع حلول الليل. المطر كان قد توقف، لكن المدينة بقيت مبللة كجسد محموم. سارت بلا هدف حقيقي. واجهات مطاعم ممتلئة بأشخاص يحدقون في هواتفهم بدل النظر إلى بعضهم. موسيقى تخرج من المتاجر. إعلانات تتحرك فوق الجدران. أصوات لا تنتهي. ومع ذلك… كان كل شيء يبدو صامتًا بشكل مخيف. توقفت أخيرًا أمام زقاق ضيق بين بنايتين قديمتين. في آخره كان يوجد متجر صغير للتحف المستعملة، متجر لا يلاحظه أحد وسط هذا العالم اللامع. واجهته الخشبية المتآكلة بدت كقطعة نجت بالخطأ من قرن آخر. دفعت الباب. رنّ جرس معدني خافت. داخل المتجر، كانت الرائحة مختلفة: غبار، خشب قديم، ورق أصفر، وزمن راكد. لأول مرة ذلك اليوم، شعرت المدينة بعيدة. تقدمت بين الرفوف ببطء، تمرر أصابعها فوق ساعات متوقفة وتماثيل متشققة وصناديق صدئة فقدت أصحابها منذ عقود. ثم توقفت. في الزاوية الخلفية للمحل، تحت ضوء أصفر باهت، كان هناك شيء غريب مغطى بقماش داكن. شيء دائري ضخم. اقتربت أكثر. أزاحت القماش قليلًا… فظهر فخار قديم بلون التراب المحروق، تعلوه نقوش باهتة متآكلة، كأن أحدًا دفنه تحت الأرض لقرون قبل أن يعود للحياة من جديد. وفي اللحظة التي لمست فيها يدها سطحه البارد… شعرت بقشعريرة تمر عبر جسدها كله. كأن شيئًا ما… في مكان بعيد جدًا… كان قد استيقظ للتو.