الفصل 1 — مدينة تحت الجرس الأخير
كانت السماء رمادية على نحوٍ مخيف، لا كسحاب شتوي عابر، بل كأن العالم كله غُطّي بكفنٍ هائل يحجب نور الرب عن الأرض. لم تكن الشمس تُرى، ومع ذلك كان النهار قائمًا؛ نهارٌ باهت، مريض، تتساقط فيه ذرات الرماد ببطء فوق الأسطح المحترقة والطرقات الموحلة والجثث المكدسة عند زوايا الشوارع.
ومن بعيد، دوّت الأجراس.
دقّة ثقيلة… ثم أخرى… ثم أخرى…
أجراس طويلة حزينة، لا تعلن صلاة ولا نصرًا، بل تُحصي الموتى كما يُحصي الراعي قطيعه قبل الذبح. وكان صداها ينساب فوق المدينة المحترقة فيزيدها رهبة، حتى بدا وكأن الحجارة نفسها تسمع وتنتظر دورها في السقوط.
في الساحة الكبرى، اشتعلت النيران في حفرة ضخمة حُشرت فيها عشرات الجثث. رجال سود الوجوه يجرّون الموتى بخطاطيف حديدية ويلقونهم في اللهب بلا أسماء، بلا صلاة، بلا دموع. كانت النار تلتهم الأجساد بصوت مقزز، فيما يرتفع دخان كثيف يحمل رائحة اللحم المحترق والطاعون والرطوبة القديمة؛ رائحة ثقيلة حتى إن الهواء نفسه بدا متعفنًا.
امرأة كانت تصرخ قرب الحفرة وهي تتشبث بجثة طفل صغير، لكن جنديًا دفعها بعنف فسقطت في الوحل، ثم انتزع الطفل من ذراعيها وألقاه في النار كما يُلقى حطب مبتل. ارتفعت صرختها وسط هدير اللهب، غير أن أحدًا لم يلتفت إليها. في تلك الأيام، صار الموت حدثًا اعتياديًا أكثر من الحياة.
وعلى أطراف المدينة، كانت الخيول تعبر البوابة الشمالية محمّلة بأكياس القمح والفضة المسروقة. جنود بصدور معدنية ملطخة بالسخام يقتحمون البيوت، يحطمون الأبواب، يجرّون الرجال إلى الخارج، وينتزعون ما تبقى لدى الناس من طعام قبل أن يسبقهم الجوع إليه. لم يعد أحد يعرف إن كانوا جنود الملك أم قطاع طرق يرتدون شعاره؛ فالحرب حين تطول، تأكل الوجوه والأسماء معًا.
في أحد الأزقة الضيقة، كان رجل عجوز راكعًا قرب جدار متهدم يتمتم بصلاة مرتجفة، بينما يداه تحتضنان كتابًا دينيًا مبتلًا بالمطر والدم. مرّ بجانبه ثلاثة جنود دون أن ينظروا إليه، ثم توقف أصغرهم فجأة، التفت ببطء، وغرس رمحه في صدر العجوز كما لو كان يختبر حدّه الحديدي. سقط الشيخ بصمت، وبقي الكتاب مفتوحًا فوق الوحل تتقلب صفحاته مع الريح.
أما الغربان، فكانت الأكثر شجاعة بين جميع الكائنات. تحلّق منخفضة فوق المدينة، تهبط قرب الجثث، ثم تقفز بينها بطمأنينة مريعة، كأنها الوريث الحقيقي لهذا الخراب.
وخلف التلال الشرقية، دوّى صوت انهيار بعيد.
بيت آخر يسقط.
شارع آخر يختفي.
عائلة أخرى تُمحى من العالم دون أن يذكرها أحد.
وفي الجهة الجنوبية من المدينة، قرب حيٍّ فقير التهمته النيران قبل يومين، تحرك شيء بين الأنقاض.
يد.
ثم كتف مغطى بالغبار.
ثم شاب نحيل خرج ببطء من بين الحجارة المحترقة، يسعل بعنف حتى كاد يختنق. كان في السابعة عشرة تقريبًا، بثياب ممزقة ووجه شاحب ملطخ بالسخام والدم الجاف. عيناه الرماديتان كانتا تحملان ذلك اللمعان القاسي الذي لا يظهر إلا في عيون من رأوا من الموت أكثر مما ينبغي لأعمارهم.
وقف مترنحًا للحظات وهو ينظر إلى ما تبقى من البيت.
لم يعد بيتًا أصلًا.
مجرد كومة سوداء من الخشب المحطم والحجارة المتفحمة. هنا كانت غرفة أمه. وهناك كان موقد الشتاء. وذلك الركن… كان يجلس فيه أبوه كل ليلة يصلح أدوات الحقل بصمت.
الآن لم يبق شيء.
حتى الصمت نفسه بدا محترقًا.
ابتلع الشاب ريقه بصعوبة، ثم انحنى بين الأنقاض وأخذ يزيح الحجارة بيديه العاريتين. لم يكن يبحث عن مال ولا طعام. كان يتحرك بإصرار شخص يعرف أن شيئًا واحدًا فقط يستحق النجاة من هذا العالم.
حجر.
خشبة.
رماد.
ثم توقف فجأة.
سمع صوتًا أجوف تحت الركام.
تجمّد مكانه لثوانٍ، ثم ركع بسرعة وأزاح بقايا العوارض المحترقة حتى ظهرت حافة دائرية مغطاة بالغبار الأسود.
برميل فخاري قديم.
كان ضخمًا، نصفه مدفون تحت الأرض، وعلى سطحه نقوش باهتة تشبه خطوطًا متشابكة أكلها الزمن. لم يكن يشبه أواني التخزين العادية؛ كان أقدم… أقدم بكثير حتى من البيت نفسه.
مدّ الشاب يده المرتجفة ولمس الفخار بحذر.
بارد.
بارد على نحو غريب، رغم النار التي أحرقت المكان كله.
وفي اللحظة التي مرت أصابعه فوق إحدى النقوش، اهتزّ البرميل اهتزازة خفيفة بالكاد تُرى.
رفع الشاب رأسه ببطء.
الأجراس ما زالت تُقرَع بعيدًا.
الدخان يملأ السماء.
والمدينة تموت.
لكنه للمرة الأولى منذ أشهر… شعر أن شيئًا ما داخل هذا الخراب لم يمت بعد.