"بين الوهم و الحقيقة"
ساد صمت ثقيل داخل المنزل، وكأن الجدران نفسها ما تزال تحتفظ بأصداء تلك الذكريات التي انفجرت قبل لحظات.
لم يبقَ في الغرفة سوى صوت احتراق الحطب بهدوء داخل المدفأة الصغيرة، ورائحة الأعشاب الطبية التي امتزجت ببرودة المساء القادمة من الممرات الخشبية.
كانت تورو مستلقية فوق فراشها بصعوبة، بينما غطّت الضمادات الجديدة جزءًا من كتفها وذراعها.
تسللت العلامات الزرقاء الداكنة من أسفل القماش بخفوت، كأن شيئًا حيًا ينام تحت جلدها مباشرة.
حتى بعد أن فقدت وعيها…
لم تختفِ آثار الألم عن كتفها و ذراعها.
كانت أنفاسها غير منتظمة قليلًا، وكأن عقلها ما يزال عالقًا داخل تلك الذكريات البعيدة.
جلست القطة البيضاء فوق الخزانة القريبة بصمت، بينما بقيت عيناها مثبتتين على تورو دون حركة.
ثم—
انفتح الباب الخشبي بهدوء خافت، تبعته رائحة أعشاب دافئة انتشرت تدريجيًا داخل الغرفة الباردة.
دخلت امرأة بخطوات بطيئة،
انعكس ضوء المدفأة فوق خصلات شعرها الوردي الباهت، فبدت وكأنها تحمل لون الغروب فوق كتفيها.
أغلقت الباب خلفها بهدوء، ثم نظرت نحو الفراش مباشرة.
توقفت مكانها للحظة.
سكنت ملامحها تمامًا، وكأن الزمن انقطع حولها فجأة.
كانت تورو نائمة بصعوبة، بينما بقيت آثار الألم واضحة فوق وجهها حتى وهي فاقدة للوعي.
انخفض بصر المرأة ببطء نحو الضمادات الملفوفة حول ذراع تورو وكتفها.
همست: "لما اعدتِ لها ذاكرتها بذلك الشكل؟"
أجابت ميتسو وهي تلعق مخالبها:
"لم يكن باليد حيلة، لكن قد يكون لها علاقة
بأبنتك المفقودة، لذا بعد أن تستيقظ قومي بأستجوابها"
ابتسمت المرأة بخفوت ثم قالت:
"لا بد أن ابنتي ماتت، تورو لا تشبهني و لا تشبه ،اكيورا ابداً،
الأمر فقط هو تشابه أسماء لا أكثر…"
توقف كلاهما عن الكلام في اللحظة نفسها.
فجأة تسلل صوت رن جرص المنزل،
هيكاري نهضت من على الكرسي الذي كانت جالسة عليه،
رنّ الجرس مرة أخرى.
رفعت هيكاري نظرها نحو الممر الخارجي، قبل أن تتنهد بخفوت وتنهض بهدوء من قرب السرير.
توقفت القطة عن لعق مخالبها قالت بنبرة هادئة: "يبدو أنهم وصلوا."
سألتها هيكاري بأستغراب و امالت رأسها
بأستغراب: "من تقصدين؟"
لكن قبل أن تكمل سؤالها، دوّى صوت مألوف من خلف الباب مباشرة: "تورو، هل أنتِ في المنزل؟"
خرجت هيكاري من الغرفة بهدوء،
ثم فتحت باب المنزل
أول ما رأته هيكاري…
كان باقة ورد جميلة تكاد تخفي وجه داي بالكامل.
تراجعت الباقة قليلًا بعد ثوانٍ، لتظهر خلفها ملامحه التي كانت تبدو سعيدة.
أما يوشيرو وأكاروي، كانا خلفه خلفه وكأنهما أدركا منذ البداية أن هذا سيحدث.
هيكاري ابتسمت بخفوت و نظرت إلى داي و قالت: "مر زمن طويل… داي"
رفع باقة الورد قليلًا وهو يتمتم:
"أتيت للاطمئنان على تورو فقط"
اكاروي ابتسم و قال: "كان عليكِ ان تعلمينا إنك ستعودين للقرية"
هيكاري ردت: "أنا آسفة لأنني نسيت ان اعلمكم بذلك، يوكو ماتت قبل مدة لذا أتيت لأطمئن على حال تورو.
يوشيرو اكتفى بخفض نظره بصمت.
اما داي لم يكن يعرف كيف يعبر عن مشاعره..
تنهد أكاروي بخفوت، ثم قال بهدوء:
"سمعت بالأمر… لكنني لم أتوقع أنكِ ستعودين بهذه السرعة."
رفعت هيكاري عينيها نحوه، قبل أن تبتسم ابتسامة صغيرة متعبة،
أومأت بخفة وهي تفسح لهم الطريق للدخول
ظل داي يحمل باقة الورد بحذر.
كان المنزل دافئًا بصورة غريبة مقارنة بهدوء الخارج.
___
جلست هيكاري أولًا فوق السجاد قرب الفراش، ثم تبعها أكاروي بهدوء وجلس مقابلها مباشرة.
أما داي ويوشيرو فجلسا قرب بعضهما بصمت، بينما بقيت باقة الورد فوق حضن داي طوال الوقت وكأنها شيء مهم جدًا.
ساد هدوء قصير داخل الغرفة.
كسر أكاروي الصمت أخيرًا:
"منذ متى وصلتِ إلى هنا."
رفعت هيكاري نظرها نحوه بهدوء،
ثم قالت: "أخبرت سكاي أنني سأعود الى
عائلتي، و بعدها بعدة ساعات انطلقت إلى أن وصلت إلى هنا البارحة"
بقي يوشيرو صامتًا لثوانٍ قبل أن يسأل و هو ينظر إلى تورو: "بكل الأحوال ماذا فعلت تورو لتصاب تلك الإصابة الخطيرة؟"
هيكاري تذكرت للحظة تلك الصورة التي رأتها قبل ساعات قليلة.
تورو كانت ملقاة فوق أرضية المنزل الباردة بلا حراك، أنفاسها ضعيفة بصورة مخيفة، بينما بقيت آثار الدم الجاف فوق كمّها ويديها.
انخفضت عينا هيكاري قليلًا، ثم قالت بهدوء متعب: "عندما وصلت… وجدتها فاقدة للوعي هنا."
ساد الصمت داخل الغرفة فورًا.
أكملت و صوتها أصبح أكثر وضوحاََ من قبل:
"عادت علامة اللعنة تلتهم ما بقي من قوتها،
إذا لم نعثر على طريقة لأيقافها ستموت بعد أقل من أربعة سنوات، بحسب تقديراتي"
اكاروي تنهد و قال: "ربما يمكنها ان تنجو بواسطة ختم او ما شابه، أليس كذلك؟"
هيكاري اجابت: "ربما يكون كلامك صحيحياََ إلى حد ما"
داي كان صامت، مصدوماً مما سمعه،
نظر إليه يوشيرو بأستغراب وسأله:
"لم يمضي شهر على قدوم تورو،
فما بالك مهووس بها لذلك الحد؟"
خيم الصمت على المكان للحضات،
بقي داي صامتًا وهو ينظر إلى باقة الورد بين يديه.
عاد ذلك الصوت إلى رأسه مجددًا.
صوت تحطم الخشب…
وشعور العجز الذي لم يغادر صدره منذ تلك الليلة…
وصوت بكاء مكتوم وسط الظلام…
وصوت خطوات ثقيلة اقتربت أكثر… ثم اختفى كل شيء.
قبل ثمانية سنوات_
كان المنزل دافئًا في تلك الليلة.
صوت المطر الخفيف بالخارج امتزج مع ضحكات طفلة الصغيرة وهي تركض خلف داي داخل الممر الخشبي.
كان شعرها وردياً، وعيناها كانتا خضراء.
قفزت فوق ظهره دون توازن تقريبًا:
"أمسكتك!"
ضحك داي وهو يحاول إبعادها.
امرأة تشبه هيكاري اسمها يوي كانت تقف قرب المنظدة، ضحكت وهي تقول لهما:
"إذا استمريتما هكذا فستحطمان المنزل قبل عودة هيكاري و اكاروي."
توقف داي للحظة ثم قال بتذمر طفولي:
"هي من بدأت!"
أخرجت الطفلة لسانها له فورًا، قبل أن تختبئ خلف يوي وكأنها احتمت بها.
تنهدت يوي باستسلام خفيف وهي تضع الأكواب فوق الطاولة: "أنتما تتشاجران طوال الوقت… لكنكما لا تستطيعان البقاء بعيدين عن بعضكما حتى لخمس دقائق."
الطفلة أمسكت طرف كمّ يوي الصغير وسألت بفضول: "متى سيعود أبي وأمي؟"
خفّت ابتسامة يوي قليلًا.
ركعت أمامها بهدوء، ثم اجابت بأبتسامة:
"أنهما في مهمة خارجية بسيطة فقط،
لذا انا واثقة أنهما سيعودان قريباً"
رفعت الطفلة عينيها نحوها مباشرة: "حقًا؟"
أومأت يوي مبتسمة: "أجل"
أما داي…
فكان يراقب المشهد بصمت من مكانه قرب الممر و ينتظر تورو لتخرج و يفاجئها.
ثم—
اختفى صوت المطر فجأة خلف شيء آخر.
صوت ثقيل.
وكأن أحدهم وطئ أرضية الشرفة الخارجية ببطء.
تجمدت يوي في مكانها فورًا.
انخفضت ابتسامتها تدريجيًا بينما رفعت رأسها نحو الباب.
ساد الصمت داخل المنزل للحظة قصيرة…
قبل أن يُسمع صوت فتح الباب الخارجي ببطء.
يوي ذهبت لترى من دخل إلى المنزل.
بينما توجه داي نحو تلك الطفلة،
سألها: "من عساه يأتي في هذا الوقت المتأخر"
ابتسمت الطفلة و ذهبت راكضة و هي تقول: "ربما امي و ابي عادا"
تبعها داي.
ولكن توسعت عينا الطفلة فور ان رأت شيء كان من المفترض الا تراه.
يوي ملقاة على الأرض و تنزف بغزارة بلا اي حركة،
بالكاد همست: "اهربا بسرعة"
أغمضت المرأة عينيها ببطء،
الطفلة ركضت نحوها و بدأت تهزها بعنف و تقول:
"هذا ليس وقت المزاح!، ارجوكِ استيقظي!!
يوي!!"
داي وصل و هو يلهث و لكن بمجرد
ان بدأت الطفلة تصرخ و تبكي أدرك ما
داي ما حدث.
انطفأت أضواء المنزل فجأة.
شهقت الطفلة بخوف، بينما جذبها داي بسرعة إلى الخلف واحتضنها بقوة، كأنه يحاول إخفاءها داخل ذراعيه الصغيرة رغم ارتجافه الواضح.
صوت خطوات الرجل فوق الأرضية الخشبية كان بطيئًا… مرعبًا بصورة غير طبيعية.
توقف أمامهما مباشرة.
لم يستطيعا رؤية وجهه خلف ذلك القناع الأبيض البارد، لكن عينيه الداكنتين كانتا كافيتين لتجميد الهواء داخل المنزل.
حاول داي التراجع وهو يلهث: "م_من أنت…؟"
لكن الرجل لم يُجب.
انخفض نظره نحو الطفلة المختبئة خلف داي.
ثم مدّ يده فجأة.
صرخت الصغيرة عندما قبض على ذراعها بعنف وسحبها نحوه بقوة.
رفع داي قطعة خشب كانت قربه وضرب الرجل بكل ما يملك من قوة، لكن—
الرجل أمسكها بيد واحدة بسهولة.
صرخ داي: "ابتعد عن تورو إيها الأحمق"
وكأن الكلمات خرجت من داي بدون وعي منه.
وللحظة قصيرة…
شعر داي بالخوف الحقيقي لأول مرة في حياته.
دفعه الرجل بعنف.
اصطدم جسد داي بالحائط الخشبي بقوة هائلة، حتى دوّى صوت الارتطام داخل المنزل.
سقط على الأرض فورًا و تشوش نظره بالكامل.
كان يسمع صوت بكاء الطفلة بعيدًا… وصوت خطوات الرجل وهو يبتعد بها.
حاول النهوض.
حاول أن يمد يده نحوها.
لكن جسده لم يتحرك.
رأى الطفلة تبكي وهي تحاول الإفلات من يد الرجل و تصرخ: "انقذني! داي!!"
ثم—
انغلق باب المنزل بعنف.
واختفى كل شيء بعدها داخل الظلام.
___
عاد داي إلى الواقع فجأة.
كانت أصابعه مشدودة بقوة حول باقة الورد دون أن يشعر، حتى انثنت بعض الزهور تحت قبضته.
لاحظ يوشيرو ذلك فورًا، فتغيرت ملامحه قليلًا.
أما أكاروي…
فبقي يراقب داي بصمت، وكأنه أدرك أن شيئًا ما مرّ داخل رأسه الآن.
ساد هدوء ثقيل داخل الغرفة.
وفجأة—
ارتعشت أصابع تورو بخفة فوق الغطاء.
تسلل الوعي إليها ببطء، كما لو أن روحها كانت تتردد قبل العودة إلى جسدها المتعب.
ارتجفت رموشها قليلًا، ثم انفتحت عيناها أخيرًا وسط ذلك الضوء الخافت.
ثم نهض داي بسرعة مفاجئة حتى كادت باقة الورد تسقط من بين يديه. اتسعت عيناه بصورة واضحة: "تورو!!"
هيكاري نهضت حدقت بها بصمت لثوانٍ طويلة. الشدّة التي كانت تملأ عينيها اختفت أخيرًا، وكأنها كانت تنتظر هذه اللحظة منذ ساعات دون أن تدرك ذلك. تنهدت بخفوت
وهي تهمس: "فتحت عينيها"
يوشيرو اكتفى برفع نظره نحوها للحظة قصيرة، قبل أن يبعد عينيه مجددًا وكأن الأمر لا يعنيه كثيراً. أما أكاروي…
فبقي جالسًا مكانه دون حركة. راقبها بهدوء طويل، وكأنه يحاول التأكد بنفسه أنها عادت فعلًا إلى وعيها."
بقيت تحدق بالسقف للحظات وكأنها لا تستوعب أين هي.
تحركت شفتاها أخيرًا بصعوبة، وخرج صوتها ضعيفًا ومبحوحًا بصورة مؤلمة:
"أين أنا الآن؟"
هيكاري اجابتها بأبتسامة متبعة:
"أنتِ في منزلك لذا لا داعي للقلق"
داي سأل تورو: "تورو هل تتذكرين من أكون؟"
كان التوتر واضح عليه و هو يقول ذلك.
تورو نظرت إلى داي و قالت: "كفى مزاحاً"
قبل أن يهمس داي بحرف،
ابتسمت تورو ابتسامة صغيرة منهكة، وكأنها استسلمت لشيء مؤلم اعتادت عليه منذ زمن طويل، ثم اكملت: "سئمت من هذه الخدعة"
اقترب أكثر دون وعي: "تورو، أنا—"
قاطعته بصوت مرتجف:
"اطلب من شينرا و تسوكيو ان يلعبا معك،
فأنا أشك أنهما الان ليسا مشغولين"
رفعت تورو يدها المرتجفة نحو وجهها وهي تهمس بسرعة متقطعة: "أنت تفعلها دائمًا… تتحول إلى أشخاص أعرفهم… ثم تختفي…"
انخفض صوتها أكثر:
"لكن… هذه المرة سيئة جدًا…"
اتسعت عينا داي بصدمة واضحة: "أنا داي فما بالك لا تتذكرين من اكون؟"
تورو لم تجبه.
هيكاري همست بهدوء محاولة تهدئتها:
"تورو، اهدئي… هذا ليس وهمًا."
همست تورو: "كذب…"
ثم نظرت نحو داي مجددًا وهمست بصوت مكسور: "هاكو لا يستطيع تقليد تصرفات الشخص، و لا ذكرياته"
ساد الصمت للحظة.
قبل أن يقول داي بهدوء متردد:
"إذن… هل تتذكرين يوم ضعنا داخل الغابة؟"
تجمدت تورو فورًا.
أكمل وهو يبتسم ابتسامة صغيرة متعبة: "كنتِ تبكين طوال الوقت لأنكِ ظننتِ أننا لن نخرج من الغابة ابداً"
اتسعت عيناها ببطء.
اكمل داي: "ثم أجبرتِني أن أبقى مستيقظًا طوال الليل لأنكِ خفتِ من الذئاب."
شهقت تورو بخفوت.
أما داي…
فخفض نظره قليلًا قبل أن يضيف بصوت أهدأ:
"وفي النهاية… انقذنا وحش الهيتسوي كيرين"
بدأت أنفاس تورو تتقطع.
ذلك الموقف…
لم تخبر به أحدًا من قبل
كان الخوف ما يزال عالقًا داخل عينيها، لكن الدموع التي سقطت منها بدت أقرب لشخص وجد شيئًا ظن أنه خسره إلى الأبد.
سألته و القلق واضح في عينيها:
"كيف خرجت من المختبر و لين بقية الأطفال؟
اين هما والداي و الآنسة يوي؟"
اتسعت عينا هيكاري فجأة، وكأن الكلمات أصابتها في مكانٍ لم يلتئم منذ سنوات.
توقفت أنفاسها للحظة قصيرة، بينما تجمدت ملامحها بصورة مؤلمة.
لكن قبل أن تتمكن من قول أي شيء—
رفع أكاروي يده بهدوء ووضعها فوق كتفها برفق.
نظر إليها بصمت لثوانٍ، ثم قال بصوت منخفض:
"لا تضغطي عليها الآن… ما تزال بالكاد تستوعب ما يحدث."
أخفضت هيكاري عينيها ببطء.
بدت وكأنها تريد التحدث… لكن الكلمات اختنقت داخل صدرها قبل أن تخرج.
أما تورو—
فبقيت تنظر بين وجوههم بقلق متزايد.
ذلك الصمت وحده…
كان كافيًا ليجعل قلبها يرتجف أكثر.
يوشيرو تكلم أخيراً و نظر الى هيكاري و
اكاروي ثم قال بسخرية: "ألا تلاحظ أنك اقتربت أكثر من اللازم أيها القائد؟ أم أنك تفكر بالزواج من القائدة هيكاري؟"
ساد صمت قصير داخل الغرفة.
أكاروي حدق به لثوانٍ دون تعبير ثم ابتسم و رد عليه: "انا فعلاً متزوج من هيكاري منذ ستة عشر عاماً"
يوشيرو صرخ: "ماذا!"
هيكاري اكتفت بإخفاء ضحكة صغيرة خلف يدها، ثم قالت بلطف هادئ:
"أشعر بالإهانة قليلًا… هل نظهر وكأننا غريبان عن بعضنا إلى هذه الدرجة؟"
اختنق داي بضحكة مفاجئة حاول كتمها بسرعة، بينما أدار يوشيرو وجهه بتذمر واضح.
حتى تورو…
حدقت بهم بصمت للحظة، قبل أن
تضحك ضحكة صغيرة متعبة.
تجمد الجميع للحظة قصيرة.
هيكاري نظرت إليها مباشرة.
تلك كانت أول مرة ترى فيها تورو تضحك منذ أن استعادت ذاكرتها.
خفّت ابتسامتها تدريجيًا، وتحولت إلى شيء أكثر هدوءًا… وأكثر دفئًا.
أما تورو—
فرفعت يدها ببطء نحو عينيها تمسح ما تبقى من دموعها المرتبكة.
كان قلبها ما يزال يؤلمها.
وذكرياتها ما تزال مبعثرة بصورة مخيفة.
والأسئلة داخل رأسها كانت أكثر مما تستطيع احتماله.
لكن…
لأول مرة منذ سنوات طويلة جدًا—
لم تكن وحيدة.
ساد الصمت داخل الغرفة مجددًا، لكن هذه المرة…
خارج المنزل، كانت الرياح الباردة تمر بهدوء بين أشجار القرية، بينما انعكس ضوء القمر فوق النوافذ الخشبية بصمت.
وفي مكانٍ بعيد جدًا…
داخل أعماق مختبرٍ مظلم لم تصله الشمس منذ سنوات—
انفتحت عينان زرقاوان ببطء وسط الظلام.
كان الألم يثقل أنفاسه بصورة مزعجة. حاول تحريك ذراعه… فتردد صوت احتكاك السلاسل المعدنية داخل الغرفة الباردة.
همس بصوت متعب ساخر: "كيف عدتُ إلى المختبر حيًا أصلًا…؟"
رفع رأسه بصعوبة.
إنه تسوكيو…
كان مقيّدًا بالكامل فوق المقعد المعدني، بينما امتدت العلامات الزرقاء المتوهجة من عنقه حتى جانب وجهه بصورة مخيفة.
ضغط لسانه بضيق ثم تمتم: "إيها العالِم…" تنهد بانزعاج واضح: "هل قضيتُ عشرة سنوات أتظاهر بالطاعة لتقوم بتقييدي في النهاية؟"
انفتح باب الغرفة المعدنية بهدوء.
دخلت شابة طويلة ذات شعر بنفسجي قصير. ملامحها كانت باردة بصورة جعلت صوت خطواتها يبدو أكثر قسوة من السلاسل نفسها.
توقفت أمامه وهي تحمل سجلًا صغيرًا بين يديها، ثم قالت دون أي تعبير: "يبدو أن استقرار اللعنة أعادك إلى وعيك أخيرًا."
رفع تسوكيو عينيه و سألها بسخرية:
"هل ستكون هذه اول تجربة لك عليّ؟"
أغلقت السجل بهدوء ثم أكملت:
"بأمر مباشر من العالِم… سيتم إيقاف نشاط اللعنة مؤقتًا."
عقد حاجبيه قليلًا: "هل تظنين أنني سأهرب؟" ضحك بخفوت ساخر: "أنا لستُ هاكو… ولا تورو."
اقتربت كاغو من الطاولة المعدنية القريبة، ثم وضعت السجل جانبًا بهدوء.
ارتفع ضوء أزرق خافت بين أصابعها تدريجيًا، بينما بدأت النقوش الممتدة فوق ذراع تسوكيو تتوهج بصورة أعنف وكأنها تشعر بما سيحدث.
راقبها تسوكيو بصمت للحظات، قبل أن يزفر بضيق: "أكره هذه المرحلة."
رفعت كاغو نظرها نحوه للحظة قصيرة: "تحمّل."
ابتسم بسخرية متعبة: "أنتِ تقولين ذلك وكأنني لا أملك خيار آخر."
وضعت يدها فوق العلامة الزرقاء الممتدة قرب عنقه.
وفي اللحظة نفسها—
تشنج جسده بعنف مفاجئ.
صدر صوت احتكاك السلاسل المعدنية بقوة داخل الغرفة، بينما انخفضت أنفاسه بصورة مضطربة.
لكن رغم ذلك…
لم يصرخ.
شدّ أصابعه بصمت، بينما ظهرت ابتسامة باهتة ومرهقة فوق وجهه وكأنه يرفض إظهار الألم مهما حدث.
أما كاغو… فبقيت ملامحها باردة تمامًا وهي تراقب توسع اللعنة تحت جلده.
ثم همست أخيرًا: "لا تمت قبل أن ينتهي العلاج… هذا سيكون مزعجًا…"
بدأت النقوش الزرقاء تتحرك تحت جلده كأنها كائن حي يحاول الهروب من جسده، بينما امتلأت الغرفة بضوء غريب يشبه ضوء القمر تحت الماء.
ثم فجأة عمّ الظلام الغرفة بالكامل.
___
نهاية الفصل
___