الفصل 26
قبل اربع شهور .. ليلة الثالث من رمضان .. كانت سارة قاعده عند أمها تسولف .. ومها فى حجرتها تصلي .. دخلن نسوان على ام ناصر عقب صلاة التراويح .. دخلن النسوان فجأة .. سلمت عليهن سارة ودخلت تجيب القهوة والقدوع .. كانت فاطمه تعشي الجوري .. " فاطمة وين القهوة .. " سألتها سارة مستعجلة .. " في مجلس عند بابا رجّال .. " ردت فاطمة .. " ماطلعوا للحين .. " التفتت بحيرة .. " مادرى ماما .. " ردت الشغاله " تبين اروح اشوف ؟؟ " سألت ساره .. " لا لا عشي الجوري أنا بأروح " .. مشت ساره على أطراف أصابعها للمجلس تسّمع .. ما سمعت صوت .. طلت براسها شوي كان المجلس فاضي .. والباب الخارجي مفتوح .. شكلهم راحوا .. وابوها قال بيطلع لبيت عمها يسلم عليهم .. " خلاص هذي القهوة جاهزة وش له اسوي جديدة .." دخلت سارة عشان تشل الصينية وهى مستعجلة .. دنقت تجمع الطفايات المستعملة .. ابوي مايدخن وش هالزقاير كلها .. وقفت سارة على حيلها وفي ايديها الصينية .. لكن ..
شافت أطراف ثوب ابيض واقف قدامها وجوتي اسود .. مهوب ابوها .. شمت ريحة عطر رجالي قوي غريب .. ماقدرت ترفع عينها .. ضربتها نفاضة .. حست ركبها ما تشيلها .. ايديها ذابت .. وطاحت الصينية باللى فيها على رجيلها ..
" سلامات عسى ما تعورتي .. " تكلم الرجال اللى عند الباب وهو يقرب شوي .. " الله لا يسلم فيك عظم .. وقف مكانك .." ردت سارة بغضب مكتوم .. انصدم الرجال من ردها ووقف .. " شلون تدخل البيت بدون ما تستأذن يا قليل الأصل .." كان صوت سارة حاد مرتبك متوتر .. " تعوذي من الشيطان يابنت الحلال ومهو بانا قليل الأصل اللى يدعر بيوت العرب بدون خبر .." رد عليها وهو يصّر على ضروسه .. ما قدرت سارة ترفع عينها اللى كانت غايمة ورا دمع غضب ودمع خيبة ودمع فضيحة .. " سارة .." التفتت وهى منزلة راسها لا شعوريا .. سمعت صوت مها تناديها من داخل البيت " اطلع الله لا يبارك فيك .. " تكلمت سارة بمرارة وعيونها على باب المجلس اللى وراه .. وتتصور وش بيكون موقف ابوها لو دخل عليها ذلحين .. وش بيكون موقفها هي قدام أبوها لو شافها بالمنظر هذا كاشفة قدام واحد غريب ووين .. في مجلس ابوها !!!..
" بأطلع يا بنت خالد .. لكن ذا الشنب مهوب على رجال ان ما ربيتس .. " كان في صوته غضب مكتوم .. " تخسي .. متربية قبل اشوف وجهك .. " قرب الرجال منها و وجهه مظلم .. " وحق من رفع سبع لواللى قايلها رجال .. لادفنه مكانه .. لكن مردودة ماكون أحمد بن خالد أن ما أدبتس .. " قرّب الرجال منها .. وبردت عظام سارة وهى مكانها .. لكنه دنق ياخذ جوال جنب المسند ما شافته سارة وطلع ما التفت عليها ..
دخلت مها وشافت شكل اختها المتجمد .. " السوري شبلاس .. " قربت منها وتروعت يوم شافت الدلال متكسرة عند رجيلها والفناجيل صايرة كسر .. " احترقتى .. " صاحت وهى تدنق تشوف رجيلها اللى غرقها الشاهي والقهوة .. " لا .. " ردت سارة بصوت ميت .. " لا تحركين يدخل القزاز فى رجيلس اصبري شوي .." وطلعت مها تركض للمطبخ ورجعت جايبه لسارة نعال تلبسها وقعدت تنظف القزاز اللى على رجلها .. " وش اللى جاس .. " سألتها مها بتركيز وهي تشيل القطع المكسورة من رجيلها .. " حسيت بدوخة وطاحت منى الصينية .." ردت سارة بدون شعور .. " زين روحي داخل خلينى انظف المكان .. شفتي ابوي .." نشدتها مها وهي تجمع باقي القزاز المكسور .. " لأ .. " ردت سارة وهى تطلع من المجلس وتقول في قلبها الحمدلله انى ما شفته ولا شافني .. دخلت حجرتها تغسل وجهها .. وتصب ماء بارد على رجيلها مكان ما احرقتها القهوة يوم انتثرت عليها .. وكلام الرجّال يرن في راسها .. انا شلون كلمته كذا .. بيقول ما تربت .. ولا على راسها ولي .. يا الفضيحة .. وش بيقول أبوي لو درى .. حسبي الله عليك وش اللى جابك فى طريقي .. حطت ايديها على وجهها ودنقت تبكي .. وصوت الماء الجار يغطي على صوتها المكتوم ..
::
::
::
فتحت مها عيونها مصدومة .. وهي تسمع من أختها تفاصيل الموقف اللى جمعها مع أحمد ذيك الليلة .. " والباقي تعرفينه .. " تنهدت سارة وهى تخلص كلامها .. " ايه اذكره .. عقبه بكم يوم طاح ابوي من الجلطه .. جعلها ماتسقا ذيك الأيام .. وجا أحمد وأهله يخطبونس .. وابوي وافق وأنتي عييتي .. " كانت مها تتذكر اللى صار .. مسحت سارة دمعه من طرف عينها بصمت .. " ليه ماعلمتيني ..؟" سألتها مها وهى تشوفها بتدقيق .. " وش أعلمس به .. ولو علمتس وش بتسوين ..؟" ردت عليها سارة وهى ترسم بعود حطب خطوط على الرمل .. " مادري بس أكيد بأسوي شي .. " قالت مها وهى تحط يدها على خدها وهي متربعه جنب أختها .. " يوم جات امى تعلمنى .. وعييت .. تفاجأت يوم وافق ابوي .." تكلمت سارة وهى تمسح خشمها ..
" اذكر خذيتي لس مده زعلانه وضايقه .. " ردت مها وهى تحرك الحطب في الضو .. " بس تدرين .. ترى مثل ماقلت لس .. نصيبس وجا وماحد قدر يوقفه حتى أنتي .. وماتدرين وين الخيرة فيه .." حاولت مها تهدي من احساس أختها المؤلم .. " تفتكرين عقب كلامه لي بيكون فيها خيرة .." ردت سارة وهى سرحانه تحاول تتذكر تقاطيع وجه أحمد اللى ما تتذكر منها الا الفضيحة والخوف وسواد الوجه .. " تعوذي من الشيطان .. كل أمر المؤمن خير يابنت الحلال .. وصدقينى القسمة والنصيب هي اللى جابته لس .. والا على علمي أنه يدرس برا وكان معيي يتزوج .. " كانت مها تكلم أختها وعيونها مركزة تشوف الجمر شلون يتوهج وسط الضو .. تنهدت سارة .." ايه على حظي انفكت عقدته .. " تكلمت سارة بصوت مهو مسموع ..
" لكن الغريب انه طلع يقرب لبيت عمي .." تذكرت مها كلام ماجد .. " مهوب بيت عمي .. عم أبوي .. " صححت لها سارة .. " ادرى بيت عم ابوي .. بس حنا طول عمرنا نقول له عمي .. ما اختلف الوضع اللحين .. بس الغريب ان أمي ماكانت تدري .. " كانت مها تفكر .. " زين من أمي تدري عن جيرانها اللى جنب بيتها بس .. " علقت سارة .. " وجع .. عشانها مهي براعية سوالف ولا مسايير .. امى مرة(ن) تستحي .. تسوي الواجب اللى عليها وبس .. مهي براعية حكي ونقل سوالف .. فديتها بس .." دافعت مها عن أمها الطيبة اللى فعلا كانت مثل ماقالت .. لاهي براعية نميمة ولا نقل كلام .. همها الأول والأخير بيتها وبناتها ..
" واللحين وش السواة ؟؟.." نشدتها سارة .. " في وش .." ردت مها مستغربة .. " في ذا اللى بيهدف عقب كم يوم .." برطمت سارة وهي تذكر جية أحمد .. " وأنتي شعليس منه .. رجّال ومع الرجاجيل .. اللى يسمعس يقول بيجي ياخذس ذلحين .. " ردت مها وهي تلعب بعيدان الحطب المجّمرة .. " خذاه العزيز القوي .. " دعت عليه سارة بقهر .. " حرام عليس .. خافي ربس .. له عجوز وشيبة يرجون عينه .. استغفر الله بس .." رفعت مها راسها بضيق لأختها وهي ترد عليها .. " استغفرك وأتوب اليك يارب .." استغفرت ساره ولو انها ماندمت على كلامها في قلبها .. رجعت مها تتذكر كلام اختها للرجال .. وضحكت .. " بس تعالي .. أنتي ليش كلمتيه كذا صحيح .." شكل طولة اللسان وراثة في ذي العائلة فكرت مها فى نفسها .. " والله مادرى يا مهوي .. غير ان لساني كان طويل .. الظاهر من الفشيلة .." التفتت لها سارة تبتسم بحزن .. " لا عز الله ماقصرتي فيه .. ومثل ماخبصت قدام ماجد هذا انتي خبصتي قدام أحمد .." ابتسمت مها لعيون أختها اللى تذكرت موقفها الأخير قدامه اليوم قبل المغرب .. " أما تخبيصس اليوم غير شكل يابنت .. والله موقف ما ينسى .. " وضحكت سارة .." ذكرتيني .. " التفتت مها تشوف امها الراقده " شلون تطلعين وتخليني معه لحالي .. " قرصت عيونها في أختها .. " وش تبيني اسوي يعني .. قلت اطلع احسن مايحط حرته فيني .. بس شكلس بدون نقاب و وجهس احمر وخشمس منتفخ يساوي مليييون ريال .." .. لمست مها خشمها الدقيق " وجع خشمي مهوب منتفخ .." ارتاحت مها من تغير مزاج أختها وماحبت ترجع للموضوع تنكد عليها ..
" اسمعي .. متى تبينا نقول لابوي يودينا الخبر ..؟؟" نشدت سارة وهى تضم ايدينها على ركبها لصدرها .. " شدراني .. متى تبين أنتي .." ردت سارة وهى تطالعها .. " والله مادري بكره بنقول لأمي وبنشوف .." سمعن صوت حركة برا الخيمة .. " من .. " صاحت مها وهى توقف عند الباب .. " انا أنا لاتروعين .. " كانت موضي جايتهم .. " حياس الله .. ادخلي .. " دخلت موضي وعلى راسها شال صوف وفي ايدها غوري حليب حار بخاره يفتح النفس .. وفي اليد الثانية بيالات " سويت حليب للعيال وقلت بأشوف كانكن واعيات باجيب لكن منه " ابتسمت موضي وهى تشوف مها وسارة .." ماتقصرين .. ذا الليل برد .. " ردت مها عليها " حياس الله يام عبد العزيز.. " تحفتها سارة .. دخلت موضي وقعدت جنب مها وحطت الغوري على الضو والبيالات جنبها " الله يحييس يابعدي .. ذا الليل مهوب برد وبس الا جليد .. " التفتت موضي تشوف اغراضهن في الخيمة .. " عندكم دفا كفاية ..؟ " سألت مها .. " ايه عندنا كفاية .. تبون أنتو .. " ابتسمت مها وهي ترد عليها .. " ترى الملاحف عندنا واجد .. والحلال واحد .." ردت موضي .. شافت ام ناصر راقدة " امى منيرة رقدت .." .. " اى والله تعبانه والجوري رقدت معها .. " التفتت مها تشوف بنتها وأمها في ظلام الخيمة اللى ما يكسره الا وهج الضو من بعيد .. " عساه منام العافية .. " صبت موضي الحليب لمها وسارة وصبت لها بياله .. وقعدت تسولف عندهن لين قربت الساعه 11 وطلعت منهن ..
::
::
::
كان ماجد وتركي قاعدين عند الضو .. الشيبان راحوا لخيمتهم يرقدون من بدري .. والشباب قعدوا يتقهوون حليب .. " والله خوش حليب .. " قال تركي .. ضحك ماجد " أكيد خوش حليب دام ام عبد العزيز هي اللى مسويته .." ابتسم وهو يرفع عيونه لتركي اللى ضم شفايفه .. " يالله جارك من الحسد .. ياخي قل لمرتك تسوي لك .. " رد عليه تركي .. رفع ماجد عيونه وكأنه مندهش من كلمة مرتك .. " وش بلاك .. شكلك نسيت انك معرس .." ضحك عليه تركي .. " اى والله مرات أنسى .. " رد ماجد وهو مدنق يحرك الحطب في الضو .. " هاه وش عندك من جديد .." سأل تركي .. " وش جديده .." رفع ماجد راسه لتركي مستغرب .. " لنا وقت ما سمعنا قصيدك .." ابتسم ماجد واتكى تركي وراه على المسند وبيالته في ايده .. وقعد يراقب تعابير رفيقه اللى سرح في عالم ثاني ..
تنهد ماجد .. وسرى صوته في هدأة الليل عذب صافي ..
قريت الشوق ف اعيونك وفي ونّة تراتيلك
أثاري الحبّ يا عمري توسّد وسط أوصالك !
هقيتك ما تعبّرني ولا تكشف تفاصيلك
ولكنّ الهوى فضّاح وطيبه عطّر أقوالك
تلاقيني بدمع الشوق اذا ما جيت اببكيلك
وامد يمنى ومن خوفن تصافحني بها اشمالك !
حروف القاف لا شافتك من فرحه تغنّيلك
تهلّي بك وتنشد عنك يا قلبي: وش احوالك ؟
عساك دّوم بوصالي ولا تقطع مراسيلك
ولو دهري يطاوعني أقضّي عمري اقبالك
على همس الهوى والشوق راح اضوي قناديلك
واخلّي الوقت بالأفراح والبسمات يصفا لك
مع النجمات والدلّه أبسهر في تعاليلك
أناظر وجهك البدري وخمر الشوق فنجالك
تعال اقرب هنا عندي وسمّعني مواويلك
وخلّ الحلم يسرح بي ويمسي بجنة اظلالك
انا ادري العين ما تشبع تناظر في تهاويلك
ولا القيفان لا هلّت تفارق مفرق اقذالك ..*
تنهد ماجد وسكت .. " صح لسانك يا ولد .. لا هنت " رد تركي بإعجاب .. " صح بدنك .. ولا تهون " رد ماجد بهدوء .. " وش اللى متعبك يا ماجد .. " كان تركي يقرأ ماجد مثل الكتاب المفتوح .. عِشرة سنين بينهم .. خلت تركي يفهم خويه وخال عياله من نظرة .. كان يدري بين ضلوعه همّ مشقيه .. وحزن ماكل كبده .. مهما حاول يخفي هالشي .. يبان بعيونه .. وفي لحظات يقلبه من ماجد الحبيّب اللى يعرفه لشخص ثاني داخله سواد .. يبطش بأقرب الناس له كأنه يعوض ألمه فيهم ويعاقب نفسه بألمهم ..
ما رد ماجد على تركي .. كان يهوجس أن تكلم فضيحة .. وإن سكت قهر .. وهو ضايع بين اللى شافه بعيونه وسمعه بآذانه وبين الكلام اللى قالته له موضي .. من يصدق .. وشو الصحيح .. من الظالم ومن المظلوم ..؟؟ .. يصدق نفسه والا يصدق أخته .. وأخوه .. اللى راح .. واللى ما يقدر يرد ويدافع عن نفسه .. وخايف يظلمه لو سمع فيه .. ضغط على عيونه بابهامه والسبابة ..