الصمت بعد الصدمة
سكتت مي للحظة.
كلمات رامي لم تكن مجرد تحذير… كانت كأنها جرح قديم انفتح أمامها فجأة.
لم تجد ردًا مناسبًا، فقط وقفت تنظر إليه وهو يعود ببطء نحو نهاية الممر، كأن شيئًا ثقيلًا يسحبه من الداخل.
في اليوم التالي…
كان المستشفى أكثر هدوءًا من المعتاد.
لكن مي لم تكن هادئة.
كانت تراجع تفاصيل العملية في رأسها مرارًا، تبحث عن خطأ لم يحدث، أو لحظة كان يمكن أن تنهار فيها.
دخلت غرفة الاستراحة، فوجدت رامي هناك وحده.
كان ينظر إلى ملف مفتوح أمامه دون أن يقرأه فعليًا.
ترددت لحظة، ثم قالت: — "المريض بخير النهارده."
لم يرفع رأسه. — "كويس."
صمت.
جلست أمامه مباشرة. — "إنت بتخوفني لما بتتكلم كده."
أغلق الملف ببطء.
ثم قال: — "أنا مش بخوفك… أنا بحميك."
رفعت حاجبها. — "تحميني؟"
نظر لها أخيرًا. — "اللي في المجال ده مش بيرحم حد. لا شاطر ولا ضعيف."
سكت لحظة، ثم أكمل: — "وأول حاجة بتتأذي هنا… مش إيدك. قلبك."
شعرت مي أن الجملة أصابت مكانًا حساسًا داخلها.
لكن قبل أن ترد، دخل أحد الممرضين بسرعة: — "دكتور رامي! في حالة طارئة في قسم الحوادث!"
نهض فورًا، ومي خلفه مباشرة.
في قسم الحوادث…
كان المشهد فوضويًا.
رجل في الأربعينات، إصابة خطيرة في الصدر، وفقدان دم سريع.
لكن هذه المرة… كان الوضع أسوأ.
الأجهزة تشير لانخفاض حاد في الضغط.
أحد الأطباء قال بسرعة: — "مش هنلحق نوصله العمليات!"
رامي اقترب، وفحص الحالة في ثوانٍ.
ثم قال بصوت حاسم: — "هننقله فورًا."
مي نظرت إليه بصدمة. — "بالوضع ده؟ مستحيل!"
لكن رامي رد ببرود: — "المستحيل هنا معناه موت أكيد."
بدأ الفريق بتحريك المريض بسرعة.
وخلال النقل…
اهتز السرير فجأة.
وسقط أحد الأنابيب.
تجمد الجميع.
صرخت ممرضة: — "النزيف زاد!"
لحظة صمت مرعبة…
ثم قال رامي بهدوء غريب: — "مي…"
التفتت إليه.
أشار نحو الجرح. — "إنتِ هتوقفي النزيف دلوقتي."
اتسعت عيناها. — "أنا؟ هنا؟"
— "مفيش وقت للخطأ."
كانت يدها ترتجف.
لكنها تذكرت نظراته لها، وكلماته القديمة: "الذعر بيقتل أسرع من المرض."
اقتربت بسرعة، وبدأت تعمل تحت ضغط لا يُحتمل.
كل ثانية كانت كأنها تسحبها للخوف…
لكنها لم تتوقف.
وأخيرًا…
انخفض النزيف.
وصلوا غرفة العمليات.
حينها فقط، شعرت مي أن قدميها تكادان لا تحملانها.
بعد انتهاء كل شيء…
خرجت إلى الممر، وجلست على الأرض دون أن تهتم.
بعد لحظات، جلس رامي بجانبها.
لم يتكلم في البداية.
ثم قال: — "أول مرة تعملي قرار لوحدك تحت ضغط… ونجحتي."
نظرت إليه بدهشة. — "دي مفاجأة؟"
رد بهدوء: — "دي بداية."
صمت لحظة، ثم أضاف بصوت أخف: — "بس متفتكريش إنك فهمتي المستشفى لسه."
رفعت عينيها إليه. — "وأنت؟ فهمته؟"
لم يجب فورًا.
ثم قال: — "أنا عايش فيه… مش بفهمه."
وفي تلك اللحظة…
لم يعد رامي يبدو كجراح صارم فقط.
بل شخص يحمل مستشفى كامل على كتفيه… ويخاف أن ينهار في أي لحظة.