نبض تحت المشرط - المنطقة الحرجة - بقلم مي | روايتك

اسم الرواية: نبض تحت المشرط
المؤلف / الكاتب: مي
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: المنطقة الحرجة

المنطقة الحرجة

كانت الساعة تقترب من الخامسة صباحًا… الهدوء الثقيل غطّى أروقة مستشفى "الحياة"، بعد ليلة طويلة مليئة بالحالات الطارئة. جلست مي في غرفة الأطباء تراجع ملفات المرضى بعينين مرهقتين، بينما كانت تحاول ألّا تغفو. وفجأة— رنّ جهاز الطوارئ بعنف. “كود أحمر في العمليات… كود أحمر!” انتفض الجميع. خرج الأطباء والممرضون بسرعة نحو غرفة العمليات الكبرى. ركضت مي خلفهم وقلبها يخفق بقوة. وعندما وصلت… تجمدت. المريض على السرير كان شابًا في العشرينات، مصابًا بنزيف داخلي خطير بعد حادث ضخم. لكن المشكلة لم تكن هنا. المشكلة… أن الجراح المسؤول لم يصل بعد. صرخ أحد الأطباء: — "لو ما تدخلناش حالًا هنخسره!" ساد التوتر المكان. ثم دخل رامي بسرعة، وملامحه جامدة كعادتها، لكنه بدا أكثر قلقًا من أي مرة. نظر إلى الأشعة بسرعة… ثم قال: — "لازم تدخل جراحي فورًا." اقترب منه طبيب آخر وهمس: — "الحالة دي معقدة جدًا." رد رامي ببرود: — "عارف." ثم التفت فجأة نحو مي. — "هتدخلي معايا." اتسعت عيناها. — "أنا؟ بس—" — "مفيش وقت." بعد دقائق، كانت داخل غرفة العمليات مجددًا. الجو هذه المرة مختلف… أخطر. حتى صوت الأجهزة بدا مرعبًا. بدأت العملية بسرعة، بينما كان النزيف يزداد. — "شفط." — "مشرط." — "ارفعي الضغط." أوامر رامي كانت سريعة وحادة، ومي تحاول اللحاق به رغم توترها. لكن فجأة— توقف رامي. ثبت نظره على الشاشة لثانية طويلة. ثم همس: — "لا…" شعرت مي بالخوف فورًا. — "في إيه؟" رفع الأشعة أمامها بسرعة. — "النزيف وصل للشريان الرئيسي." ساد الصمت للحظة. حتى الممرضون تبادلوا النظرات بقلق. فالخطأ هنا… يعني الموت خلال ثوانٍ. شعرت مي بأنفاسها تضيق. لكن رامي أمسك الأداة الجراحية بثبات وقال: — "هنكمل." بدأ يعمل بدقة مخيفة، وكأن العالم كله اختفى حوله. كانت مي تراقبه بانبهار. لأول مرة ترى هذا الجانب منه… ليس الطبيب البارد فقط، بل شخص يقاتل حرفيًا لينتزع حياة من الموت. مرت دقائق طويلة كأنها دهر. ثم— عاد النبض مستقرًا. تنفس الجميع براحة واضحة. أحد الممرضين قال بدهشة: — "إزاي عملتها…؟" لكن رامي لم يُجب. فقط خلع قفازاته ببطء وخرج من الغرفة. لحقت به مي بسرعة. وجدته واقفًا وحده في الممر المظلم، يسند يديه على الحائط وكأنه فقد كل طاقته دفعة واحدة. ترددت قبل أن تقول: — "العملية نجحت." أغمض عينيه للحظة… ثم قال بصوت منخفض: — "مش كل مرة بنلحقهم." شعرت أن الجملة تحمل معنى أكبر من مجرد العملية. اقتربت قليلًا. — "رامي…" لكنه قاطعها بهدوء: — "متتعلقيش بالمريض زيادة يا مي." نظرت له باستغراب. — "ليه؟" رفع عينيه إليها أخيرًا… وكان الألم فيهما واضحًا لأول مرة. — "لأنك يوم ما تخسري حد… هتفهمي قد إيه الطب ممكن يكسر الإنسان."