نبض تحت المشرط - خلف القناع الأبيض - بقلم مي | روايتك

اسم الرواية: نبض تحت المشرط
المؤلف / الكاتب: مي
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: خلف القناع الأبيض

خلف القناع الأبيض

مرّ أسبوع كامل… ومي بدأت تفهم شيئًا مهمًا: مستشفى "الحياة" لم يكن مجرد مكان للعلاج… بل ساحة حرب. كل يوم يحمل حالة جديدة، صراخًا جديدًا، وقلوبًا تُكسر بصمت خلف الأبواب البيضاء. كانت الساعة تقترب من الثالثة فجرًا حين جلست مي في غرفة الأطباء، منهكة تمامًا. أمسكت كوب القهوة بيد مرتجفة وهمست: — "أنا حرفيًا مبقتش حاسة برجلي." وفجأة، فُتح الباب. دخل رامي بهدوئه المعتاد، مرتديًا معطفه الأبيض، وعيناه تحملان ذلك الجمود الذي لا يتغير. نظر إلى كوب القهوة ثم قال: — "لو فضلتي تعتمدي على الكافيين بس… هتقعي قبل آخر الشهر." رفعت مي حاجبها بضيق: — "وأنت مالك؟" اقترب ووضع ملفًا طبيًا أمامها. — "عندي عملية بعد نص ساعة… والمساعد بتاعي اتأخر." نظرت إليه بعدم تصديق. — "وأنا أعمل إيه؟" رد ببرود: — "هتدخلي معايا." اتسعت عيناها. — "أنا؟!" — "خايفة؟" شعرت وكأنه يتحداها عمدًا. فأجابت بسرعة: — "لأ." ابتسم ابتسامة خفيفة بالكاد ظهرت. — "كويس." بعد دقائق، كانت تقف داخل غرفة العمليات مجددًا. الأضواء القوية فوق رأسها… صوت الأجهزة… ورائحة المعقمات التي بدأت تحفظها عن ظهر قلب. لكن هذه العملية كانت أصعب. طفل صغير… حادث سيارة… وحالته تتدهور بسرعة. قال رامي بجدية: — "ركزي معايا يا مي. أي غلطة هنا تمنها حياة." ابتلعت توترها وهزت رأسها. بدأت العملية. في البداية، كان كل شيء تحت السيطرة… حتى انخفض نبض الطفل فجأة. “بيب… بيب… بييييب—” تجمدت مي. نظرت إلى الشاشة بخوف. صرخ أحد الممرضين: — "النبض بيقع!" لكن رامي لم يهتز. نظر مباشرة إلى مي وقال بحزم: — "بصيلي." نظرت له بسرعة. — "الذعر بيقتل أسرع من المرض… فاهمة؟" أخذت نفسًا عميقًا. ثم بدأت تتحرك معه خطوة بخطوة. ثوانٍ مرت كأنها ساعات… وفجأة— عاد النبض. “بيب… بيب… بيب…” تنفس الجميع براحة. أما مي… فشعرت أن قدميها لم تعودا تحملانها. بعد انتهاء العملية، خرجت إلى الممر وجلست بصمت. كانت يداها ترتجفان بشدة. ولأول مرة… شعرت بالخوف الحقيقي من هذه المهنة. بعد لحظات، جلس رامي بجانبها دون أن يتكلم. ثم مدّ لها زجاجة ماء وقال: — "إنتِ عملتي كويس النهارده." رفعت رأسها نحوه بدهشة. — "دي أول مرة تمدحني فيها." رد بهدوء: — "متتعوديش." ضحكت رغماً عنها. لكنها لاحظت شيئًا غريبًا في تلك اللحظة… رغم بروده الدائم، كانت عيناه تخفيان تعبًا عميقًا… وحزنًا أكبر مما يظهره لأي شخص.