بعد الظلال 2
عدتُ إلى دياري، إلى القصر المظلم الذي يعلو جبال العالم السفلي، حيث الجدران المصنوعة من الحجارة السوداء تحاكي ظلال قلبي. الهواء هناك دائمًا ثقيل، مشبع برائحة الدخان القديم وأسرار الماضي، كأن كل حجر يحفظ تاريخًا من القوة والخوف.
عندما دخلت، كان والدي جالسًا على العرش، نظراته الحادة تخترق كل شيء. أما أمي، فكانت تقف بجانبه، صامتة، وعيناها مليئتان بالحذر والتوقع.
— قنديشة… — قال والدي بصوت هادئ لكنه شديد، — أخبريني… ماذا حدث؟
لم يكن بحاجة إلى كلمات. السبعون شيطانًا الذين خرجوا الليلة من العتمة لم يعودوا أحياء. كل منهم اختفى من الوجود، كلهم… قتلتهم لأجل طفل واحد.
رفعت رأسي، وعينيّ تعكسان برودة لا تعرف الرحمة.
— كان لازمًا… — قلت بهدوء، دون أن أخفض صوتي، — لأجله.
تنهد والدي ببطء، يديه متشابكتان فوق ركبتيه.
— هل تدركين حجم ما فعلت؟ هؤلاء ليسوا مجرد خدم أو تابعين… كل واحد منهم يحمل قوة، وكل واحد منهم يحمل اسمي.
ابتسمت ابتسامة خفيفة، لكنها لم تصل إلى عينيه.
— كنت أعلم أنكم ستغضبون… لكن لم أستطع السماح لهم بالاقتراب. لم أستطع السماح لأي أحد بلمسه.
أمي نظرت إليّ بصمت، ثم قالت بصوت حاد:
— وقفتِ ضد الطبيعة نفسها… ضد قوانين العالم السفلي. هل تصدقين أن مجرد كلمة مني أو من والدك كانت لتوقفك؟
أومأت برأسها ببطء، متكبرة، متأهبة لكل مواجهة.
— لم يكن لأحد الحق… سوى أنا.
جلستُ في قاعة العرش، مستندة إلى الجدار البارد، أفكر في الطفل… أورفيوس. لم يكن مجرد طفل. لم يكن مجرد زهري، لم يكن مجرد روح أخف من البشر… كان شيء آخر، شيء لم أشعر به من قبل. منذ اللحظة التي ولد فيها، شعرت بقوة غريبة تتدفق في الهواء حوله، تتسلل إلى روحي كما لو أننا مرتبطان منذ الأزل.
لم يكن هذا الشعور يزعجني… بل كان يغذي جزءًا مني لم أكن أعلم بوجوده. جزء كان مجرد طاقة، رغبة في الحماية، غريزة… تجاهه فقط.
وقفتُ من جديد، نظرت إلى والدي، ثم إلى أمي، وقلت بصوت أكثر صلابة:
— لن أسمح لأي أحد بأن يؤذيه. حتى لو كان العالم كله يقف ضده، سأكون الدرع… وسأكون السيف.
أزاح والدي رأسه قليلًا، وعينيه مليئتان بالتهديد والقلق معًا:
— قنديشة… لم أعد أستطيع أن أتركك تمارسين هذا العناد بمفردك. السبعون… اختفوا… بسببك. أنتِ تعلمين ما يعنيه هذا، أليس كذلك؟
ابتسمت ابتسامة باردة، ولم أكن بحاجة إلى إجابة. يعلم كلانا أنني لن أعود عن قراري، وأن ولادة أورفيوس غيرت كل شيء. القوة التي أشعر بها الآن لم تعد مجرد لعبة… لم تعد مجرد سيطرة على الظلال. كان هناك رابط… رابط يجعلني مختلفة، تجعلني أقوى، تجعلني… غير قابلة للكسر.
جلستُ صامتة، أستمع إلى أصوات القصر: الرياح التي تهب بين الأعمدة، صدى الأبواب القديمة، وحتى أصوات خفية للأرواح التي لا يرىها البشر إلا بعينينا نحن.
تخيلت أورفيوس، نائمًا في القرية، بعينيه التي لم تبكِ عند ولادته، عيناه اللتان نظرتا إليّ مباشرة… وفهمت أنه منذ تلك اللحظة، لن أكون مجرد قنديشة ابنة ملك الشياطين. سأصبح أكثر من ذلك: حارسة العالم بين الظلال والنور، حامية الزهري الذي سيغير كل شيء.
ابتسمت لنفسي في الظلام، باردة، قوية، مستعدة لكل ما سيأتي. سبعون شيطانًا اختفوا لأجله… وهذا لم يكن سوى البداية.