ليلة بلا بكاء 1
كانت السماء في تلك الليلة ثقيلة، كأنها تحمل سرًّا أكبر من قدرتها على الاحتمال.
تكدست الغيوم السوداء فوق التلال المحيطة بالقرية، حتى صار الليل أكثر كثافة من المعتاد، وكأن الظلام نفسه قرر أن يبقى قريبًا من الأرض. الريح كانت تعوي بين الأشجار العتيقة، تدفع الأغصان اليابسة لتتصادم ببعضها في أصوات حادة تشبه همسات كائناتٍ خفية تتجادل في العتمة.
ثم انشقَّت السماء ببرقٍ أبيض خاطف.
للحظة قصيرة فقط، ظهر كل شيء واضحًا:
البيوت الحجرية الصغيرة، الأسقف الخشبية المائلة، الطرق الضيقة التي تحولت إلى طين بفعل المطر الذي لم يتوقف منذ ساعات طويلة.
ثم عاد الظلام.
كانت تلك قرية فقيرة، منسية بين التلال، لا يحدث فيها شيء يستحق الذكر. الناس فيها يعيشون حياة بسيطة: يستيقظون مع الفجر، يعملون في الحقول، ويعودون قبل أن يحل الليل.
لكن في تلك الليلة…
لم يكن الليل عاديًا.
في طرف القرية، كان هناك بيت صغير متداعٍ، بالكاد يقف فوق الأرض. جدرانه الخشبية القديمة تسمح للريح بالتسلل عبر الشقوق، وسقفه المائل يئن كلما ضربه المطر.
داخل ذلك البيت، كان الضوء ضعيفًا.
مصباح زيتي صغير معلق قرب الحائط، يتراقص لهبه مع كل هبة ريح.
وعلى فراش خشبي بسيط، كانت امرأة تتلوى من الألم.
صرخت بصوتٍ متقطع، بينما كانت القابلة العجوز تجلس قربها، تحاول تهدئتها.
قالت القابلة وهي تمسح العرق عن جبين المرأة:
"اصبري… اقترب الوقت."
لكن صوت الرعد الذي تردد في السماء غطّى على كلماتها.
اهتزت جدران البيت للحظة، وتساقطت بعض ذرات الغبار من السقف.
كانت الليلة طويلة… وثقيلة.
مرت دقائق أخرى.
ثم جاءت اللحظة.
ولد الطفل.
ساد الصمت فجأة داخل الغرفة.
رفعت القابلة المولود بين يديها، كما تفعل دائمًا، تنتظر الصوت الذي يأتي بعد كل ولادة… ذلك الصراخ الأول الذي يعلن بداية الحياة.
لكن الصراخ لم يأتِ.
مرّت ثانية.
ثم ثانية أخرى.
قالت الأم بصوتٍ ضعيف، بالكاد يُسمع:
"لماذا… لا يبكي؟"
اقتربت القابلة من المصباح، ورفعت الطفل قليلًا نحو الضوء.
كانت عيناه مفتوحتين.
لم يكن ذلك طبيعيًا تمامًا، لكن ما جعل القابلة تشعر بالقشعريرة هو الهدوء الذي يحيط به.
لم يكن يبكي.
لم يكن يتحرك كثيرًا.
كان فقط ينظر.
نظرة ثابتة هادئة، كأن هذا العالم ليس جديدًا عليه.
تمتمت القابلة وهي تحدق في وجهه الصغير:
"غريب…"
لكنها لم تجد تفسيرًا لما تراه.
لفّت الطفل بقطعة قماش قديمة، ثم وضعته بين ذراعي أمه.
ابتسمت المرأة رغم تعبها الشديد، ونظرت إلى الطفل بحنان.
همست:
"طفلي…"
خارج البيت، استمر المطر في السقوط.
لكن شيئًا آخر كان يحدث في الظلام.
بعيدًا قليلًا عن القرية، بين الأشجار التي كانت تتمايل تحت العاصفة، وقفت امرأة لا يلمسها المطر.
كان شعرها طويلًا أسود كالليل، ينساب خلف كتفيها بلا حركة رغم الريح. وعيناها اللامعتان كانتا مثبتتين على البيت الصغير عند طرف القرية.
لم تكن إنسانة.
كانت قنديشة.
ابنة ملك الشياطين.
وقفت هناك ساكنة، كأنها جزء من الظلام نفسه.
ثم أغمضت عينيها ببطء.
كانت تشعر بشيءٍ في الهواء.
شيء نادر.
شيء يعرفه عالمها جيدًا.
في بعض الليالي النادرة، يولد طفل مختلف عن بقية البشر.
طفل يسمّيه أهل الظلال باسم واحد:
الزهري.
لا يعرف البشر الكثير عنهم، لكن الشياطين تعرف.
الزهري ليس مجرد إنسان عادي.
روحه أخف من بقية الأرواح…
وأقرب إلى العوالم التي لا يراها الناس.
ولهذا السبب بالذات، عندما يولد أحدهم…
تتحرك الظلال.
فتحت قنديشة عينيها ببطء.
ثم ابتسمت ابتسامة خفيفة.
"إذن… لقد وُلد."
لكنها لم تكن الوحيدة التي شعرت بذلك.
بين الأشجار، بدأت الظلال تتحرك.
ظهر أول شيطان ككتلة سوداء غير واضحة الملامح.
ثم ظهر آخر.
ثم ثالث.
كانوا يخرجون من العتمة واحدًا بعد الآخر، كأن الغابة نفسها تلدهم.
كانت عيونهم تلمع بالجوع.
ليس جوع الطعام…
بل جوع القوة.
قال أحدهم بصوت خافت:
"إنه قريب."
وقال آخر:
"الزهري."
بدأت الظلال تتحرك نحو القرية.
لكنهم توقفوا فجأة.
كانت قنديشة تقف أمامهم الآن.
لم تتحرك كثيرًا.
مجرد خطوة واحدة فقط كانت كافية لتغلق الطريق.
نظر إليها أحد الشياطين بازدراء.
قال:
"ابتعدي."
لم ترد.
كانت عيناها مثبتتين على البيت البعيد.
قال شيطان آخر بصوت أجش:
"الطفل لنا."
عندها فقط التفتت قنديشة نحوهم.
كان في عينيها شيء بارد.
شيء جعل بعض الظلال تتردد للحظة.
قالت بهدوء:
"لا أحد يقترب."
ضحك أحد الشياطين.
"ومن سيمنعنا؟"
لم تجب.
لكن البرق الذي شق السماء في تلك اللحظة كشف عن شيء في وجهها…
شيء لم يكن مزاحًا.
ثم بدأ القتل.
لم تكن معركة طويلة.
كانت سريعة… وصامتة.
كلما اقترب شيطان، اختفى.
الأول.
الثالث.
العاشر.
العشرون.
الظلال التي جاءت من الغابة بدأت تتلاشى كما ظهرت.
لم يستغرق الأمر وقتًا طويلًا.
وعندما عاد الصمت إلى الأشجار…
لم يبقَ أحد.
سبعون شيطانًا اختفوا من الوجود في تلك الليلة.
وقفت قنديشة وحدها في الظلام.
ثم رفعت نظرها نحو البيت مرة أخرى.
في الداخل، كانت الأم تحتضن طفلها.
قالت بصوتٍ ضعيف لكنها مليئة بالحب:
"سأسميه… أورفيوس."
همست قنديشة الاسم ببطء:
"أورفيوس…"
اقتربت خطوة صغيرة من البيت.
لم يكن أحد يراها.
لا أحد من البشر يستطيع رؤية الشياطين…
إلا إذا أرادت هي ذلك.
وقفت قرب النافذة الخشبية.
نظرت إلى الطفل الصغير.
كان نائمًا بهدوء.
تأملته للحظة.
ثم همست بكلمات قديمة لا يسمعها البشر.
كانت مجرد همسة خفيفة…
لكن بعدها مباشرة، حدث شيء غريب.
فتح الطفل عينيه.
ببطء.
ثم نظر نحو النافذة.
نحوها مباشرة.
تجمدت قنديشة في مكانها.
كان هذا مستحيلاً…
إلا إذا سمحت هي بذلك.
وقد فعلت.
لكنها لم تتوقع أن ينظر إليها بتلك الطريقة.
لم يكن خائفًا.
لم يبكِ.
كان فقط ينظر.
مرت لحظة قصيرة بينهما.
لحظة صامتة.
ثم شعرت قنديشة بشيء غريب داخلها.
إحساس لم تعرفه من قبل.
لم يكن جوعًا.
لم يكن غضبًا.
كان شيئًا آخر…
شيئًا خطيرًا.
ابتسمت ببطء، لكن ابتسامتها كانت تحمل ظلالًا من الجنون.
وقالت بصوت منخفض:
"من الآن فصاعدًا…"
سكتت لحظة.
ثم أكملت:
"أنت لي."
بعدها اختفت.
عاد الظلام إلى مكانه.
استمر المطر في السقوط فوق القرية الفقيرة، دون أن يعرف أحد ما الذي حدث بين الأشجار.
داخل البيت الصغير، كانت الأم قد أغلقت عينيها من شدة التعب.
والطفل الصغير…
الذي لم يبكِ منذ لحظة ولادته…
كان مستيقظًا.
ينظر بهدوء إلى الظلام خلف النافذة.
وكأن شيئًا في هذا العالم…
قد بدأ لتوه.