أوتــــــار أربــــــعة - الفصل 75 - بقلم Amani algeria | روايتك

اسم الرواية: أوتــــــار أربــــــعة
المؤلف / الكاتب: Amani algeria
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل 75

الفصل 75

**𝒜𝓂𝒶𝓃𝒾 𝒶𝓁𝒶𝒿𝒶𝓏𝒶𝓇𝒾𝒶** آمـآنيـﮯ آلجزآئريـﮯ‏‏هہ . . . . . . . . . ↓ انزوت في ركن غرفتها، تُحدق في مرآتها كأنها تبحث عن ذاتها الضائعة، وعيناها مثقلتان بوجعٍ لا تصفه الكلمات. شهرٌ كامل مَرّ كأنه دهر، غرقت فيه في صمتٍ مطبق؛ فلا راكان صفَح، ولا هي استطاعت كسر حاجز الجفاء الذي نصبه بينهما. انتُزعت منها وسيلتها الوحيدة للتواصل مع العالم، فصار هاتفها صمتاً، وصار وقتها حملاً ثقيلاً ينوء به صدرها الصغير. في الطابق السفلي، كان السكون يفرض سطوته على أرجاء المنزل؛ ام راكان استسلمت للنوم باكراً، والخادمات انشغلن بمهامهن المعتادة. دخل رحيم المنزل، فشعر ببرودة الأجواء وهدوئها المريب، ولم يطِب له قلبه أن يخلد للراحة قبل أن يتفقد تلك الرابضة في غرفتها كعصفورٍ مكسور الجناح. ولج الغرفة بخطواتٍ وئيدة، فوجدها كما هي؛ ملامح شاحبة، وجسدٌ يرتجف على طرف السرير. اقترب منها بصمتٍ، وجلس بجانبها كانت تفكر فجذبها نحوه، كان حضنه هو المفتاح الذي فجر سدود دمعها. ارتمت بين يديه، وانفجرت في بكاءٍ مرير، شهقاتها كانت تمزق صمت الغرفة وهي تتشبث بقميصه كأنها تتشبث بالحياة. ثقلت الكلمات على لسانه، فآثر الصمت لحظة حتى يهدأ روعها، ثم ضمها إليه برفق وقال بصوتٍ حنون: —يا غلاي .. وأنا أخوك، عطيني اللي في خاطرك وقولي لي مضيقك ... رفعت عينيها إليه، والدمع يحفر مجاريه على وجنتيها، وقالت بصوتٍ متهدج: —بس..... أخاف لو قلت لك تسوي مثل راكان.. أخاف تبتعد عني وما عاد تبي تكلمني. حرك رأسه نافيا وقال: — تعرفيني زين... مو انا اللي ابعد واهجر وحيدتي. ابي اسمع منك وبعدين أنا أحكم. رفعت نضرها نحوه وما ان التقت عينيها الخائفتين بعينيه دافئتين انهار ذلك الصمت المزيف، وبدأت تسرد له ما حدث بكلماتٍ تختنق بالعبرات. حكت له كل شيء.. عن تلك اللحظات المشؤومة في جنازة "أبو عبد العزيز"، وكيف فقدت السيطرة على مشاعرها أمام انكسار "عبد العزيز" وارتمت في حضنه، ولم تكن تعلم أن عين راكان كانت ترقبها بصدمة. أخبرته عن خبائها وأرفقته بعبارات أسف راجٍ تصلب جسد رحيم وهو يسمع. شعر بغصة في حلقه، ونارٍ تغلي في صدره. "عبد العزيز؟" همس بها في داخله بذهول. كان الصمت الذي ساد بينهما ثقيلاً، وعيناه تعكسان صراعاً عنيفاً بين رغبته في الصراخ وبين رؤيته لانكسارها. أغمض عينيه بقوة، تنفس بعمق ليطرد الشيطان من رأسه، ثم قال بنبرةٍ حادة لكنها مغلفة بالخوف عليها: — يا غلا.. اللي سويتيه مو هين، والله مو هين! الحين راكان معه حق يزعل.. كيف تهون عليك نفسك وتهون علينا وتحطين راسنا في الأرض قدام الناس؟ وفي جنازة بعد! انكمشت غلا على نفسها، فاستطرد بنبرة أهدأ قليلاً وهو يرى دموعها: — إسمعيني زين.. أنا ماراح اغفرلك غلطتك وتستحقين كل اللي سواه راكان.....بس لإني شفت صراعك هشهر لوحدك وشفت ندمك بعيونك سامحتك ، بس اللي صار غلطة كبيرة ولازم تعرفين حجمها. عبد العزيز أجنبي عنك، وراكان ذبحه القهر لأنه يشوف أخته -اللي هي أغلى ما يملك- تضعف قدام غريب. أنا ما راح أتركك، وبوقف معك، بس اوعديني يا غلا.. هذي آخر مرة تخلين العاطفة تمشيك، واعرفي إن سترك من سترنا. نكست غلا رأسها بندمٍ حقيقي، فقال وهو يمسح على كتفها بجمودٍ يحاول كسر حدته: — الحين امسحي دموعك.. اللي صار صار، وربك غفور رحيم. ويالله جهزي نفسك بنروح لـ (سديم) عشان تغيرين جو وتطمني على صديقتك ، وأنا بتفاهم مع راكان بطريقتي.. بس يا غلا، لا تكررينها، ترى والله المرة الجاية ما تلومين إلا نفسك. وقفت غلا مذهولة، لم تصدق أن رحيم بقلبه الكبير قد استوعب حجم ألمها. ارتمت في أحضانه مرة أخرى، لكن هذه المرة كانت دموعها تغسل غبار الخوف. ربت على كتفها بحنانٍ أخوي وقال: — يالله روحي إلبسي. سألت بخوفٍ يرتجف في صوتها: — وركان؟ يا رحيم أنت تعرف إنه حابسني ومنعني من كل شيء.. لو درى إني طلعت وش بيسوي؟ أجابها بطمأنينة الواثق: — راكان خليه علي، أنا أتفاهم معه. أنتِ ما عليك، تجهزي ولا تشيلين هم. . . . نزلت والبهجة تتراقص في قلبها لأول مرة منذ شهر. ارتدت عباءتها على عجل، ورمت طرحتها على رأسها بعفوية من شدة الفرح، وكأنها تخرج من سجنٍ مظلم إلى النور. حملت حقيبتها ونزلت الدرج بخطوات متسارعة، لتجده بانتظارها في السيارة. . . . ساد الهدوء داخل السيارة، كان يقود ببرودٍ متعمد، وعيناه تراقب الطريق بجمود. التفت إليها ونبرته لا تزال تحمل حدة: — للحين مصدوم انو عبد العزيز طلع منه كذا قاطعته غلا بصوتٍ خفيض: — بس هو والله يحبني.. وكان يبي يتقدم لي، بس وفاة أبوه هي اللي أجلت كل شيء. توقف عبد الرحيم عند الإشارة، ونظر إليها نظرة حازمة بل حادة وقال: — حتى لو كان يبيك ويحبك، ما ترمين نفسك عليه! البنت مثل الجوهرة، غلاتها في حياها وفي ثقلها. الرجال مهما حب، ما يحترم إلا اللي تعز نفسها وتصونها. ثم سكت قليلاً، وكأن الشعر فاض من صدره نصيحةً لها، فقال: يا غلا مـن يـرخـص النفس يـهـون والحـيـا في الـبـنـت تـاجٍ وجـوهـره عـزي مـقـامـكِ لا تـقـولـيـن يـحـبـون طـيـر السـعـد مـا يـنـصـاد بـالـمـجـهـره خـليـكِ مـثـل الـنـجـم فوق الظـنـون مـا يـطـولـه الـلي يـمـد كـفـوفـه ويـنـظـره تابع كلامه وهو يحرك السيارة من جديد: — عبد العزيز الله يرحم أبوه، إن كان نصيبك بيجيكِ من الباب، مو بضمةٍ في وسط عزاء تكسر عين إخوانك وتصغرك في عيون الناس. أنتِ غالية، ولا أبي أشوفك بيوم رخيصة بسبة مشاعر ضعيفة زي كذا. أطرقت غلا برأسها، شعرت بوقع كلماته في قلبها أشد من سوط راكان، لأنها كانت كلمات محبٍ يغار على كرامتها. . . . أوقف السيارة أمام القصر أخيرا وقال بصرامة هادئة: —اسمعي، بدخلك البيت وبروح أنا أشوف عبد العزيز وزكريا، عندي كلمة أبي أقولها لهم. أنتِ ادخلي وصدي عن المشاكل لغرفة صديقتك مباشرة واضح لم تكد غلا ترى أبواب القصر مفتوحة والخادمات ينهمكن في التنظيف، حتى انطلقت كالعصفور الذي كُسر قفصه. لم تسمع نداءات رحيم خلفها؛ كانت روحها تسبق قدميها لرؤية رفيقة دربها. ركضت في الممرات بلهفة، وقلبها يخفق بشدة، وعند المنعطف المؤدي للدرج، وبسبب سرعة اندفاعها، اصطدمت بجسدٍ صلب كأنه طودٌ منيع. اختل توازنها وكادت أن تسقط لولا أن يداً قوية امسكت بمعصمها في اللحظة الأخيرة. ارتجف قلبها وسكنت أنفاسها، ظنت للوهلة الأولى أنه هو.. ظنته عبد العزيز. لكن حين رفعت رأسها ببطء، تجمدت الكلمات في حنجرتها؛ لم يكن هو. كان شاباً غريباً، يفيض وسامةً وجاذبية، بشعرٍ أسود فاحم كليلٍ متمرد، وعينين عسليتين واسعتين بنظراتٍ حادة لكنها قلقة. ساد صمتٌ قصير قطعته نبرة صوته الرجولية الهادئة: — أنتِ بخير؟ لم تجب، كانت غارقة في حرجها، فاستطرد بابتسامة خفيفة: — أكيد رايحة لسديم.. هي في غرفتها الحين، تفضلي. أفلتت يدها بحياء وركضت متعثرة نحو الدرج، لكنها ما إن وضعت قدمها على أول درجة حتى تسمرت مكانها. كان هناك شخص آخر ينزل الدرج ببطء، وتوقف حين رآها. رفعت رأسها لتلتقي عيناها بعينيه، نعم إنه هو عبدالعزيز الواقف أمامها مباشرة. في تلك اللحظة، شعرت وكأن العالم توقف عن الدوران، ودق قلبها بقوة هزت كيانها