بين أنياب القدر - المراقبة - بقلم امينة خلود | روايتك

اسم الرواية: بين أنياب القدر
المؤلف / الكاتب: امينة خلود
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: المراقبة

المراقبة

دخلت كهف العلاج، فوجدتها لا تزال مستلقية هناك، ملفوفة كأنها مومياء جميلة. اقتربت منها بهدوء وجلست بجانبها، أراقب أنفاسها المنتظمة وكيف ينتشر شعرها فوق الفرو كخيوط الليل الداكنة. لماذا كلما ركزت النظر فيها أشعر وكأنني أكتشف شيئًا جديدًا؟ هناك شامة خفيفة بالقرب من أذنها… وبالقرب من جبينها ندبة صغيرة بالكاد تُلاحظ، تبدو قديمة جدًا، ربما منذ الطفولة. كانت تبدو مسالمة على نحو غريب…. لا تزال رائحة دمها خفيفة داخل الكهف. أعلم أن ذلك سيزعج أفراد القطيع؛ فحاسة الشم لدى الذئاب أقوى بكثير. نهضت بصمت، وأحضرت بعض الزهور المجففة وعلقتها في زوايا الكهف لتخفيف الرائحة، ثم عدت وجلست بجانبها من جديد. مددت يدي نحوها… كنت أريد فقط، للحظة واحدة، أن أبعد تلك الخصلة التي انسدلت على وجهها. لكن يدي توقفت في منتصف الطريق. همست بصوت بالكاد يُسمع: "ما الذي أفعله حقًا…؟ هذه الفتاة ستكون سبب هلاكي." نهضت بسرعة، وكأنني أهرب من أفكاري نفسها، ثم خرجت واتجهت نحو كايل وليرا. وجدتهما جالسين معًا، يطعمان بعضهما ويتبادلان النظرات السخيفة ذاتها. نظرت إليهما بتقزز. "حقًا؟" ثم فتحت ذراعي نحو ليرا. "تعالي يا أختي، سأطعمكِ أنا. لا تحتاجين إلى ذلك الغبي." قفزت ليرا نحوي فورًا، وجلست بجانبي وهي تلف ذراعها حول كتفي. "هكذا أفضل بكثير، أليس كذلك؟ أنتِ الآن بجانب أخيكِ الوحيد والمفضل." أومأت مبتسمة: "طبعًا." نظر إلينا كايل بانزعاج واضح. "أنت تطبق مقولة: إذا لم تستطع إسعاد نفسك… فعكّر مزاج الآخرين." أجبته بشماتة: "بالطبع أطبقها. يمكنك الاهتمام بإطعام نفسك، أختي سأهتم بها أنا." بدأت أطعم ليرا بينما كانت تبتسم بمرح، أما كايل فكان ينظر إليّ بنظرة تؤكد أنه يشتمني داخليًا. تجاهلته تمامًا. وبعد أن انتهت ليرا، نهضت لتساعد في التنظيف، بينما بدأت أتناول طعامي بشرود. كنت أفكر فيما سيحدث عندما يعلم والدي أن رفيقتي المقدّرة إنسانة… سيظن أنني سأكرر خطأه مرة أخرى. لن أفعل ما فعله مع تلك البشرية. وقبل أن أدرك، خرجت الجملة بصوت مسموع قليلًا: "لن أفعل مثله." نظر إليّ كايل باستغراب. "تفعل ماذا؟ مثل ماذا؟" أجبته بسرعة: "لا شيء." رفع حاجبه بعدم اقتناع. "حقًا؟ هل تظنني أحمق لأصدق هذا؟" تنهدت بانزعاج. "كنت أناقش نفسي فقط، ما شأنك أيها المتطفل؟" ضحك وهو يهز رأسه. "أنت مزعج فعلًا." ثم أشار بعينيه نحو كهف العلاج. "المهم… كيف حالها؟" أجبته بهدوء وأنا أعيد نظري إلى طبقي: "جيدة… حالتها تتحسن." أومأ بتفكير، ثم سأل: "وهل يجب أن أعيّن لها حراسًا؟" هززت رأسي نفيًا. "لا داعي لذلك… سأعتني بها بنفسي." رفع حاجبيه ببطء، ثم ابتسم ابتسامة واسعة مليئة بالاستفزاز. "يا لك من رومانسي." رمقته بنظرة باردة. "قل كلمة أخرى وسأرميك للنهر." ضحك كايل بصوتٍ عالٍ، غير مكترث لتهديدي كعادته، ثم مال إلى الخلف واضعًا يديه خلف رأسه. "أتعلم؟ بدأت أشفق عليك فعلًا." ضيقت عينيّ نحوه. "ولماذا تحديدًا؟" ابتسم بخبث واضح. "لأنك لم تدرك بعد أنك انتهيت." تنهدت بانزعاج وعدت لتناول الطعام بصمت، محاولًا تجاهل نظراته المستفزة. لكن لسوء الحظ، كان كايل يعرفني أكثر مما ينبغي. أنهيت طعامي، ثم نظرت إلى كايل. "حسنًا، سأذهب الآن. لا تنسَ التأكد من أن الحراس في مواقعهم… وأنا سأتفقد صاحبة العيون البنية، ثم أذهب للنوم." خرج اللقب من فمي قبل أن أدرك ما قلته. ساد الصمت لثانية… ثم انفجر كايل ضاحكًا لدرجة أنه كاد يسقط عن مقعده بالفعل. نظرت إليه بانزعاج وعقدت ذراعي. "وما المضحك تحديدًا، سيد كايل؟" رفع رأسه نحوي بصعوبة، بينما كانت دموع الضحك تلمع في عينيه. "ماذا قلت الآن؟ صاحبة العيون البنية؟ هل هذا ما أصبحت تنادي تلك الإنسانية به؟" أجبته ببرود متصنع: "نعم، وما شأنك؟ لديها عيون بنية، لذلك سأناديها هكذا. أفضل من تكرار كلمة البشرية طوال الوقت." وما إن رأيت ابتسامته المستفزة تكبر أكثر حتى نهضت فورًا قبل أن يبدأ بسخريته المعتادة مجددًا. "ليلتك مزعجة كوجهك." لوّحت له بيدي دون أن ألتفت، ثم غادرت بسرعة بينما ضحكاته لا تزال تتردد خلفي. --- اتجهت نحو كهف العلاج، ودخلت بهدوء حتى لا أوقظها. كانت قد غيرت وضعية نومها؛ يداها أسفل ذقنها، وأنفاسها منتظمة أخيرًا. تنهدت براحة دون أن أشعر. اقتربت وجلست بجانبها بصمت، أراقب ارتفاع صدرها وانخفاضه بهدوء. خصلات شعرها الداكنة كانت متناثرة فوق الفرو، وبعضها يغطي جزءًا من وجهها. غريب… مجرد النظر إليها كان كافيًا ليهدئ شيئًا داخلي ظل مضطربًا طوال اليوم. وجدت نفسي أبتسم بخفة دون سبب حقيقي. لديها سحر غريب… سحر هادئ، لكنه خطير. قبل أن أنجرف أكثر خلف تلك الأفكار، نهضت بسرعة. كان عليّ أن أخرج. رغم أن جزءًا مني لم يكن يريد الابتعاد عنها، وأراد فقط أن تبقى تحت ناظري طوال الوقت… إلا أنني تجاهلت ذلك الشعور بصعوبة. ابتعدت عنها على مضض، ثم خرجت من الكهف واتجهت نحو عريني. ما إن دخلت حتى تحولت إلى هيئتي الأصلية؛ ذئب أسود ضخم، وانكمشت فوق سريري المصنوع من الفرو. عادت أحداث اليوم كلها إلى رأسي دفعة واحدة… المعركة، الدماء، العواء… ثم هي. صاحبة العيون البنية. ومع التعب الذي اجتاح جسدي أخيرًا، لم أعد قادرًا على التفكير في أي شيء آخر… قبل أن أغرق في نومٍ عميق. تسللت أول خيوط الشمس عبر باب عريني مباشرة نحو عينيّ، فاستيقظتُ بانزعاج من عالم الأحلام لأعود إلى الواقع مجددًا. تمددت قليلًا، ثم نهضت وتحولت إلى هيئتي البشرية قبل أن أخرج. استقبلني منظر القطيع المعتاد؛ الجميع يستعد لبدء أعماله اليومية، أصوات الخطوات، رائحة الخشب المشتعل، وضحكات الأطفال التي تملأ المكان بحياةٍ غريبة. اتجهت نحو الساحة الرئيسية حيث يجتمع الجميع لتناول الفطور، ثم اقتربت من ليرا وهمست لها: "بعد أن تنتهي من مساعدة الآخرين، أحضري بعض الطعام لتلك البشرية ." اومأت بسرعة، بينما أكملت طريقي نحو كهف العلاج. في طريقي، وقعت عيناي على عرين والدي المنعزل أعلى التل. أنا معتاد على عدم رؤيته لأيام، بل أحيانًا لأسابيع كاملة. كان يفضل العزلة منذ سنوات… وهذا جيد حاليًا، لأن آخر شيء أريده هو أن يرى تلك الفتاة قبل أن تستعيد عافيتها. توقفت قرب الكهف عندما سمعت همسات خافتة. مجموعة من الأطفال كانوا متجمعين عند المدخل، يحاولون إلقاء نظرة إلى الداخل بفضول واضح. نظرت إليهم ببرودي المعتاد. "ماذا تفعلون هنا؟ أليس هذا المكان ممنوعًا على الأطفال؟" ارتبكوا جميعًا فورًا، وبعضهم بدا وكأنه على وشك البكاء لأنه ظن أنني سأعاقبه. تنهدت بهدوء وأشرت لهم أن يهدؤوا. "لا بأس يا صغار، لن أخبر أحدًا… لكن لا يجب أن تبقوا هنا. هيا، عودوا للعب." تنفسوا براحة، ثم ركضوا مبتعدين بسرعة وكأنهم نجوا من الموت. هززت رأسي بخفة ودخلت الكهف… ثم توقفت مكاني. لقد استيقظت. كانت جالسة بصعوبة فوق الفرو، تنظر حولها بحذر واضح، وكأنها مستعدة للدفاع عن نفسها في أي لحظة. ورغم ارتياحي الداخلي الغريب لرؤيتها مستيقظة… حافظت على ملامحي الباردة. اقتربت قليلًا وقلت بهدوء: "وأخيرًا استيقظتِ يا بشرية." رفعت نظرها نحوي مباشرة، لكنها لم تتحدث. تنهدت بانزعاج مصطنع. "بما أنكِ قررتِ أخيرًا العودة إلى عالم الأحياء—" قاطعتني فجأة: "ألم تكن ذئبًا؟" نظرت إليها بحدة. كيف تقاطعني بهذه البساطة؟… وقحة. هذا ما قلته في داخلي بالطبع. تنهدت وأجبتها: "أنا ذئب، نعم." عقدت حاجبيها باستغراب. "لا، أقصد… كنت ذئبًا حرفيًا. والآن أنت رجل بلا قميص، وهذا فرق كبير." ضيقت عينيّ نحوها. "هل تسخرين مني؟" اقتربت خطوة إضافية وقلت بنفاد صبر: "أنا مستذئب، حسنًا؟" توتر جسدها قليلًا، وبدا واضحًا أنها تستعد للنهوض والهرب. "توقفي عن الحركة، ستفتحين جرحك مجددًا." تجاهلت تحذيري تمامًا وحاولت الوقوف، لكن الألم جعلها تتمايل فورًا. وقبل أن تسقط، أمسكت بكتفيها وأعدتها لتستلقي برفق. حتى أنا تفاجأت من تصرفي. لكنها كانت الطريقة الوحيدة لإيقاف هذه المتهورة. تنهدت بإحباط وجلست أمامها قليلًا. "اسمعيني جيدًا… اسمي زينيث سميرنوف. أنتِ الآن داخل قطيع الظل، أو يمكنكِ القول عشيرة سميرنوف." راقبتني بصمت بينما أكملت: "لا أنوي إيذاءك، ولو أردت ذلك لفعلته في أرض المعركة. أنتِ مصابة وفاقدة للوعي منذ يوم كامل." توقفت للحظة ثم أضفت بهدوء أخف: "أنا لا أطلب منكِ أن تثقي بي… لأنكِ حاليًا لا تملكين خيارًا آخر." بدأت ملامحها تهدأ تدريجيًا، وكأنها تستوعب كلماتي أخيرًا. أنزلت يدها ببطء نحو الضمادات الملفوفة حول بطنها، بينما بقيت عيناها البنيتان مثبتتين عليّ. …عيناها أجمل مما أتذكر. هززت رأسي سريعًا وكأنني أطرد الفكرة من عقلي. هذه المرة، لم تكن تنظر إليّ بخوف، بل بفضول واضح، وكأن ألف سؤال يدور داخل رأسها. وقبل أن أتحدث مجددًا، دخلت ليرا وهي تحمل صينية الطعام. بعض الحساء، والبيض، وكوب من شاي الأعشاب. ما إن رأت مينا مستيقظة حتى توترت فورًا. ليرا ليست معتادة على الغرباء… سواء كانوا بشرًا أم مستذئبين. تحدثت بسرعة وارتباك: "أنا لا أجيد الطبخ كثيرًا، لكن الحساء… أقصد، الحساء مفيد لكِ، والشاي أيضًا. والبيض… أظن أن البشر يحبون البيض؟ كايل أحضره من قريتكم مع المؤن." اقتربت منها ووضعت يدي على كتفها لتهدأ. "ليرا… تنفسي أولًا." احمرت وجنتاها أكثر، ثم أعطتني الصينية بسرعة. "سأعود لاحقًا." وهربت تقريبًا من الكهف. راقبتها وهي تغادر، ثم عدت بنظري إلى مينا. "هي فقط ليست معتادة على الغرباء." وضعت الصينية أمامها. "المهم… عليكِ أن تأكلي." نظرت إلى الطعام، ثم إليّ، وكأنها تصارع بين جوعها وكبريائها. تنهدت وقلت ببرود متعمد: "اسمعي، لا يهمني الآن غرورك أو محاولتكِ التظاهر بالقوة. إما أن تأكلي بنفسك… أو سأفرغ الحساء في فمك بالقوة. القرار لكِ." حدقت بي لثوانٍ، ثم أخذت الصينية أخيرًا. ارتسمت على شفتي ابتسامة خفيفة دون إرادة مني. جيد… على الأقل بدأت تقبل المساعدة. جلست بهدوء أراقبها للحظات قبل أن أتحدث: "حسنًا… بما أننا تعارفنا نوعًا ما، هل ستخبرينني باسمك؟" رفعت نظرها نحوي قليلًا قبل أن تجيب بصوت هادئ: "مينا فاسليف." كررت الاسم ببطء وكأنني أتذوقه: "مينا…" ثم ابتسمت بخفة. "اسم جميل." رفعت حاجبها باستغراب، فأضفت فورًا: "لكنني ما زلت أفضل صاحبة العيون البنية." رمشت عدة مرات. "صاحبة ماذا؟" "العيون البنية." ضيقت عينيها نحوي. "ولماذا تناديني بهذا أصلًا؟" أجبتها ببساطة: "لأنكِ كنتِ فاقدة للوعي، ولم أكن أعرف اسمك. لذا بدأت أناديكِ هكذا." ثم خرجت الجملة مني قبل أن أفكر: "كما أن اللقب يناسبك… لديكِ عيون جميلة." ساد الصمت لثانية. نظرت إليّ مينا بدهشة واضحة، وكأنها لم تتوقع المجاملة إطلاقًا. تنحنحت بخفة وأبعدت نظري عنها فورًا. "المهم… لدي اسئلة " وضعت الصينية جانبًا قليلًا، ثم نظرت إليّ بتركيز أخيرًا. "نعم… طبعا ماهي اسئلتك