خليلي عزرائيل الانيق - Chapter Six | روايتك

اسم الرواية: خليلي عزرائيل الانيق
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: Chapter Six

Chapter Six

الفصل السادس: مَتَاهَةُ الأقنِعَةِ والوَهم (بقلم: سلاف) انتهت نوبة تمزقي بلمحة بصر؛ صفق عزرائيل بيديه فتجمد صراخي في حنجرتي، واستحالت الفوضى في صدري إلى صمتٍ يشبه سكون المقابر قبل العاصفة. رمقني بابتسامةٍ تفيض كبرياءً، كأنه نحاتٌ يفخر بأول شرخٍ أحدثه في صخرةٍ صماء. أشار بإصبعه الصقري نحو المائدة، وبصوتٍ لا يقبل التأويل، أمرني بالخضوع لشهية الجسد قبل رحلة الروح. لكنَّ شرارة التمرد الأخيرة لم تنطفئ بعد. انتفضتُ فجأة، قبضتُ على أطراف فستاني الفيكتوري الثقيل، وانطلقتُ أعدو كذبيحةٍ أبصرت النصل يلمع تحت الثريات. تعثرتُ بذيل الحرير، وسقطتُ على الرخام البارد فشعرتُ بارتجاج كبريائي، لكنني نهضتُ في لمح البصر. التفتُّ خلفي بذعر، فرأيتُه ينهض بوقارٍ مهيب، وظلُّه الأسود يمتد خلفه ليبتلع الضياء، كأن القاعة بأكملها بدأت تغرق في عباءته. انطلقتُ نحو السلالم الرخامية الشاهقة، وكان كل شيء حولي يضيق. كان وقع أقدامي يرتد كطلقات رصاص في سكون القصر، وصوت احتكاك الحرير بالأرض يشبه حشرجة احتضارٍ طويل. كنتُ أعدو بقلبٍ يوشك على الانفجار، والثريات الكريستالية تهتز فوق رأسي كأنها رؤوسٌ مقطوعة تتضاحك على فراري. نزلتُ الدرج بسرعةٍ جنونية، وأثوابي تتطاير حولي كأجنحة غرابٍ مكلوم، والشموع تنطفئ كلما مررتُ بها، لتغرق الردهات في عتمةٍ كالحجة. رفعتُ بصري للأعلى، فكاد قلبي يتوقف. كان عزرائيل ينزل الدرج خلفي بـ هدوءٍ أزلي، خطواته رصينة ورشيقة لا تكاد تلمس الأرض، كملكٍ يمرُّ بين حشود الموتى. لم يكن يلحق بي، بل كان يقتفي أثري ببرود مَن يملك النهاية قبل أن تبدأ البداية. زدتُ من سرعتي حتى وصلتُ إلى بابٍ عملاق من حديدٍ منقوشٍ بآلام الأزل. دفعته بكل يأس، لكنه ظل صخرةً صماء، وفجأة.. بدأ ظله العظيم يرتسم على الباب أمامي، ليطويني تحت جناحه. انعطفتُ نحو ممرٍ طويلٍ موحش، وهناك.. شقَّ السكون صوتٌ نبتَ من رحم الفقد: "ابنتي.. لا تعانديه، فهو اليقين الذي يكسر الأوهام." "أمي؟! أين أنتِ؟" صرختُ بلا وعي، ليأتيني الرد كفحيح شتاءٍ بارد: "أنا محضُ وهمٍ بُعِثَ ليُقيدكِ بالقدر، فلا مفرَّ لكِ من سلطانه." لم أكد أستوعب الفجيعة حتى انطبق الحصار. من كل زاوية، انبثقت مجموعات من الشياطين المقنعة؛ قاماتٌ سامقة بوجوه فضية صامتة، سدّوا آفاق الهرب بوقارٍ مريب. استدرتُ بقلبٍ مخلوع، فكان هو.. يقف خلفي مباشرة، بأناقته الفيكتورية التي لا يشوبها اضطراب. انحنى نحو أذني، وبعبثٍ ملكي همس بكلماتٍ جمدت أنفاسي: "أ.. أ.. أ.. هدوءاً يا صغيرة، فلا يُسمحُ لكِ بتجاوز حدود مملكتي.. أو حدود صبري." ثم قبض على يدي بقوةٍ جارفة، قبضةٌ أعلنت أن رحلة الهرب لم تكن إلا فصلاً مسرحياً أعدَّه ليمتّع ناظريه بجمال انكساري. حكمة عزرائيل (وهو يسحبها نحو أعماق القصر): "يا سلاف.. الركض في ممرات القدر لا يمنحكِ الحرية، بل يرسم لكِ فقط حدود زنزانتكِ. أنتِ تبحثين عن 'الحنان' في عالمٍ لا يعترف إلا بالصلابة؟ اعلمي أنَّ الدموعَ زجاجٌ ينكسر، أما القسوةُ فهي الفولاذ الذي تُبنى به العروش."