Chapter Four
بسم الله 🥷🏻☝🏻
الفصل الرابع: إيوانُ الخُلودِ المَسفوك
(بقلم: سلاف)
استفقتُ من غيابةِ الوعيِ على دِثارٍ من مَخملٍ لم تعرفهُ أحلامي القانعة. لم يكن سقفُ غرفتي المتهالكُ هو ما استقبلَ ناظري، بل قُبّةٌ شاهقةٌ نُقِشت بماءِ الذهب، تتدلى منها ثرياتٌ بلوريةٌ تشتعلُ فيها أنفاسُ الشموعِ كأنها أرواحٌ قيدَ الحبس.
نهضتُ بجسدٍ يرتجفُ حيرةً، فاتجهتُ نحو مرآةٍ صقيلةٍ ذاتِ إطارٍ مذهبٍ مهيب. صُدِمتُ بطلّتي؛ لم أعد تلك البائسةَ التي ينهشُ الجوعُ ملامحها، بل كنتُ أرتدي فستاناً فيكتورياً أسودَ فاحماً، ينسكبُ الدانتيلُ على أطرافه كشلالِ غسقٍ، وشعري ينسدلُ وراء ظهري كحريرٍ متمرد. استنشقتُ برودةً مريبةً انبعثت من الشرفة، فخطوتُ نحوها لأجدَ نفسي في قصرٍ يتربّعُ فوق سدةِ السحاب، يطلُّ على مروجٍ شاسعةٍ وبيوتٍ غارقةٍ في ضبابٍ أزليّ، كأنها لوحةٌ رُسمت بريشةِ الموتِ الهادئ.
قطعَ سكوني وقعُ خطىً توحي بالسيادة.
استدرتُ، فكان هو.. عزرائيل. مَلِكُ الحضورِ وغيهبُ الغياب. تخلّى عن لثامهِ ليظهرَ ببدلةٍ فيكتوريةٍ سوداءَ بالغةِ الأناقة، تبرزُ قامتَهُ السامقةَ وصدرَهُ المنيع. كان وجهُه آيةً في الجلال، وعيناهُ كعينَي صقرٍ لا يرمش، تخترقانِ حُجبَ النفسِ بحدةٍ مذهلة.
"المأدبةُ قد أُزِفت،" نطقَ بوقارٍ لا يقبلُ الردّ.
"لستُ طوعَ أمرك!" أجبتُ بصوتٍ يصارعُ الوهن، لكنهُ لم يمهلني؛ خطا نحوي بوقعةٍ رصينة، وقبضَ على معصمي بقوةٍ جارفةٍ تفيضُ بالسلطة. سارَ بي عبرَ رِداقِ القصر، وفي كلِّ زاويةٍ كانت تطلُّ عظامٌ بشريةٌ عولِجت بفنٍّ غريبٍ لتُصبحَ حواملَ للسرُجِ وزينةً للأركان. كان المكانُ يضجُّ برعبٍ مَهيب؛ فخامةٌ لا تشوبها شائبة، لكنها مغروسةٌ في رحمِ العدم. الحراسُ المصطفونَ كانوا تماثيلَ بلا صدى، تحت خوذاتهم صمتٌ يُرعبُ الجبال.
ولجنا إيوانَ الطعام، حيثُ مائدةٌ تمتدُّ كأفقٍ لا يحدُّه بصر. جلسَ في صدرها بجلوسِ الأباطرة، وأشارَ إليّ فجلستُ قبالته. بوقارٍ يخلعُ القلوب، رفعَ يدهُ اليمنى قائلاً بصوتٍ عميقٍ رزين: "بسمِ الله"، ثم شرعَ في طعامه.
فعلتُ مِثلهُ بحذرٍ، فإذا بالطعامِ مذاقٌ لم يعهدهُ بشر؛ شهيٌّ لدرجةِ الذهول، يبعثُ في الروحِ سَكينةً غريبةً ورضىً لم يذق لهُ قلبي طعماً من قبل. نظرتُ إليهِ وسط صمتِ القاعةِ الجنائزي، وسألتُه بتهيب: "ما سرُّ هذا البذخِ في مكمنِ الفناء؟ ولماذا أنا؟"
توقفَ عن الأكل، ونظرَ إليّ بعينيهِ الصقريتين الحادتين، ثم قال بحكمةٍ تفيضُ رصانة:
"يا سلاف.. الفقراءُ يقرؤون الكتبَ ليهربوا من واقعهم، أما العارفون، فيقرؤون الواقعَ ليفهموا كتبَهم. أنتِ لم تُساقي هنا لتأكلي من زادِ الملوك، بل لتتذوقي مرارةَ الحقائقِ التي لا تُبصرها عيونُ الأحياء. الجمالُ الذي تلمسينهُ ليس إلا كَفناً مُطرّزاً لحقيقةٍ أعظم."
ثم أردفَ بنبرةٍ يملؤها الغموضُ والأنفة:
"هذا الطعامُ هو عهدُكِ الأخيرُ بحواسِ البشر.. فمَن جالسَ الموت، لا يعودُ للدنيا بمذاقها الهش."
القادم والله نار، تفاعلو انزله في اقرب وقت
ودمتم في رعاية الله 🥷🏻☝🏻