الفصل الرابع
{ في إحدى الدول الأجنبية
في أحد الأحياء الراقية
وتحديدًا في منزل سعد }
كان الصباح قد بدأ للتو، والضوء يتسلل عبر النوافذ الكبيرة ليملأ أرجاء المنزل بهدوءٍ دافئ.
صوت خفيف لأدوات المطبخ يكسر سكون المكان، تتبعه خطوات متسارعة في الممر.
نزل مهاب من الدرج مسرعًا، يحمل مفتاح السيارة بيده، وقال:
مهاب: نجمة، أسرعي... علينا الذهاب!
ردت نجمة وهي ترتدي حذاءها بسرعة:
نجمة: أنا جاهزة، هيا نذهب... لا بد أن خيال تنتظرنا.
كان مهاب يتحرك بثبات، كأن وقته محسوب بدقة لا يسمح بأي تأخير.
وفي داخله ميل واضح إلى التنظيم والانضباط، ما جعله يبدو أكثر هدوءًا من حوله.
وقبل خروجهما، جاء صوت نجوى من داخل المنزل:
نجوى: مهاب، لا تنسَ أن تأخذ الورقة التي على الطاولة، وأحضر ما كُتب فيها.
توقف لحظة، ثم عاد وأخذ الورقة بهدوء:
مهاب: حسنًا، لا تقلقي.
نظرت إليه نجوى بنظرة دافئة مليئة بالاطمئنان؛ فقد نشأ بينهم منذ طفولته، وكان أقرب إلى ابنها، خصوصًا أنه رضع منها في صغره، فترسخت تلك العلاقة العائلية القوية.
{ في منزل آخر في نفس الحي }
كان منزل عادل أكثر هدوءًا من الخارج، بينما يسوده داخلًا نشاط صباحي متسارع استعدادًا للخروج.
نادى عادل بصوت مرتفع:
عادل: خيال! أسرعي، مهاب ونجمة في الطريق!
جاء رد خيال من الأعلى وهي ترتب حجابها أمام المرآة:
خيال: حسنًا يا أبي، أنا على وشك الانتهاء.
وفي تلك اللحظة توقفت سيارة مهاب أمام المنزل.
نزل من السيارة بخطوات ثابتة، واتجه مباشرة إلى الباب، ثم أخرج مفتاح المنزل من جيبه وفتحه بهدوء.
كان عادل قد أعطاه المفتاح مسبقًا، حتى لا يضطر لطرق الباب كل مرة يأتي فيها ليأخذ خيال إلى الجامعة.
فمهاب لم يكن مجرد صديق للعائلة، بل كان بمنزلة الابن، إذ أرضعته نجلاء مع خيال، فأصبح أخًا لها من الرضاعة، يحمل تجاهها شعورًا طبيعيًا من المسؤولية والاهتمام.
دخل وهو ينادي:
مهاب: خيال! أسرعي، تأخرنا على المحاضرات!
جاء ردها من الأعلى:
خيال: لحظة واحدة، أنا قادمة.
قال مهاب بحزم هادئ:
مهاب: ليس لدينا وقت.
خيال: لحظة، دعني آخذ هاتفي.
مهاب: سأنتظرك في السيارة، لا تتأخري.
خيال: حسنًا، فهمت! ما بك مستعجل هكذا؟
مهاب: لأنكِ متأخرة دائمًا.
لم يرد أكثر، وخرج بهدوء نحو السيارة، كأنه اعتاد هذا الحوار المتكرر.
ركضت خيال خلفه بعد أن أخذت هاتفها، ثم وصلت إلى السيارة وركبت بجانب نجمة:
خيال بابتسامة: السلام عليكم، كيف حالك يا نجمة؟
نجمة: وعليكم السلام، بخير... كيف حالك أنتِ أيتها المتأخرة؟
ضحكت خيال:
خيال: أنا لست متأخرة، أنتم تبالغون!
كان مهاب يقود السيارة بصمت، ثم قال بهدوء:
مهاب: خيال، هل أحضرتِ كتابي؟
خيال: نعم، لا تقلق.
وانطلقت السيارة في الشارع الهادئ، متجهة نحو الجامعة، حيث أوصل مهاب نجمة أولًا، ثم واصل مع خيال إلى كليتها.
(في منزل آخر في نفس الحي)
كان المنزل هادي يعج بحوار صباحي مختلف تمامًا.
نادت سحاب من المطبخ:
سحاب: غيوم! انتظري قليلًا، دعيني أنتهي!
ردت غيوم من بعيد:
غيوم: لماذا أنتظرك؟ أنا متأخرة!
قالت سحاب وهي تأكل بسرعة:
سحاب: كاذبة، لم تتأخري.
غيوم: بل تأخرت! كنت سأذهب إلى الصالون لتصفيف شعري، لكن بسببك تأخرت.
رفعت سحاب حاجبها:
سحاب: صالون؟ من يذهب إلى صالون قبل الجامعة؟
غيوم بغرور: أنا... أريد أن أبدو جميلة.
سحاب: ومن سيراك وأنتِ محجبة؟
غيوم بثقة: سأرى نفسي... وأنا جميلة جدًا.
سحاب: تأكدت الآن أنكِ مجنونة.
غيوم: المجنونة هي أنتِ... تدرسين علاج المجانين!
سحاب: هم ليسوا مجانين، بل يعانون من اضطرابات نفسية... مثلك تمامًا.
حملت غيوم حقيبتها:
غيوم: اصمتي... هيا نذهب.
سحاب: حسنًا.
كانت غيوم وسحاب توأمًا، متشابهتين في الملامح، مختلفتين في الطباع، تربطهما علاقة أخوية قوية، وكان مهاب بالنسبة لهما أخًا من الرضاعة، ما جعل العلاقة بين الجميع أقرب من الصداقة.
{ في الجامعة }
كانت القاعة تضج بالحركة قبل بدء المحاضرة؛ أصوات الطلاب تتداخل، وكراسي تُسحب، وضحكات خفيفة تملأ المكان.
جلس مهاب بجانب جوزيف بهدوء، ثم قال بلغة أجنبية:
مهاب: جوزيف، هل سمعت؟ سيأتي دكتور جديد بدلًا من الدكتور جيمس.
جوزيف: نعم، سمعت بذلك.
مهاب بحماس: أنا متحمس جدًا.
جوزيف: وأنا أيضًا... أريد معرفة من هو.
دخلت خيال وجلست بجانبهم:
خيال: عمّ تتحدثون؟
جوزيف: ألم تسمعي؟ دكتور جديد قادم.
خيال: نعم، لكن من هو؟
مهاب: لا أحد يعلم.
وفجأة جاء صوت من خلفهم:
صوت: سمعت الدكتور كلاوس يذكر اسمه.
التفتوا جميعًا، لتظهر سيرا وهي تقترب بهدوء.
خيال بحماس: حقًا؟ ما اسمه؟
سيرا: أممم... نسيت!
مهاب: ماذا؟ تذكري!
جوزيف: هيا يا سيرا!
سيرا: لحظة... أحاول التذكر.
جوزيف: لا فائدة، ذاكرتها ضعيفة.
فجأة صرخت:
سيرا: تذكرت!
الجميع: ماذا؟
سيرا: اسمه... لوكاس ديلان.
خيال بحماس: رائع! إنه من أفضل الأطباء!
مهاب: نحن محظوظون.
{ في صحراء الضياع – الجبل الأسود }
في أعماق كهف مظلم يختلط فيه الصمت بالخوف، كان المكان ساكنًا إلا من أنفاس متقطعة.
شاب قوي البنية أسمر البشرة يحمل صخرة ضخمة كأنها لا شيء في يده، وبجانبه رفيقه بنفس القوة.
سليل مبتسمًا: انظر لذلك الوحش... أليس مضحكًا أكثر من كونه مخيفًا؟
جابر: هل تظن أننا في وضع يسمح بالمزاح؟
ضحك سليل:
سليل: إن كنا سنموت... فلنمُت ونحن نضحك!
جابر: أنا فارس من قبيلة ضرار، أريد أن أموت مقاتلًا لا هاربًا.
سليل: إذًا علينا الهرب.
جابر: نحتاج خطة.
سليل: عندما يغفلون... نهرب.
فجأة اهتز الكهف بخطوات ثقيلة تقترب، وصوتها يتردد كإنذار.
ثم ظهر المخلوق.
جسد ضخم مغطى بالشعر، عينان تلمعان بشر، وسوط أسود يتلوى في يده.
صرخ بصوت مرعب:
شمروخ: أنا شمروخ سيدكم الجديد! تحركوا أيها البشر الكسالى!
ثم انفجر ضاحكًا ضحكة جعلت الهواء يثقل داخل الكهف.
همس سليل:
سليل: ضحكته مقرفة...
جابر بسرعة: اصمت! لا تجذب انتباهه!
سليل: لن يسمعني...
يتبع...