صحراء الضياع - الفصل الثالث - بقلم قلم الفنتازياء | روايتك

اسم الرواية: صحراء الضياع
المؤلف / الكاتب: قلم الفنتازياء
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الثالث

الفصل الثالث

{ في المستشفى } كان المستشفى غارقًا في صمتٍ ثقيل، لا يقطعه سوى أزيز الأجهزة الطبية المنتظم، وخطوات ممرّضٍ تتردد في أرجاء الممر قبل أن تتلاشى تدريجيًا. انعكست الأضواء البيضاء الباردة على الجدران، فزادت المكان قسوةً وجمودًا، وكأن الزمن هنا يتحرك ببطءٍ مرهق، تُقاس فيه الحياة بانتظارٍ طويل وقلقٍ لا ينتهي. في أحد أطراف الممر، جلس سالم وغسان على كراسي الانتظار. لم يكن أيٌّ منهما مستقرًا؛ تحركات لا إرادية، ونظرات معلّقة بباب غرفة الطوارئ، كأن ذلك الباب وحده يحمل الإجابة على كل ما يثقل صدريهما. مرّ الوقت بطيئًا، حتى بدا وكأنه يتمدد فوق أعصابهما. داخل الغرفة، كان سعد مستلقيًا على السرير، جسده منهك، وملامحه شاحبة، بينما لا تزال آثار الرمال والغبار عالقة بملابسه، شاهدةً على ما مرّ به. ست ساعاتٍ قضاها في قلب الصحراء… لكنها لم تكن مجرد زمنٍ عابر، بل تجربة ثقيلة، كأنها امتدت داخل روحه أكثر مما امتدت في الواقع. وقف الطبيب إلى جانبه، وقد أنهى فحص الطفل، ثم قال بصوتٍ هادئ: — الحمد لله، لقد وصلتم في الوقت المناسب. لو تأخرتم قليلًا، لفقدنا الطفل بسبب الجفاف الشديد. يبدو أنه لم يتناول ماءً أو حليبًا منذ يومٍ كامل تقريبًا. أغمض سعد عينيه لثوانٍ، وتنفس بعمق، وكأن الكلمات أزاحت عن صدره ثقلًا كبيرًا، ثم قال بصوتٍ متعب: الحمد لله… كنت أخشى أن يموت قبل أن نصل. أومأ الطبيب بتفهم، ثم غادر الغرفة، تاركًا خلفه صمتًا أثقل من ذي قبل. بقي سعد وحده، يحدّق في السقف، لكن عينيه لم تكونا ترى شيئًا مما أمامه. كانت ذاكرته تعود به إلى تلك الصحراء… إلى الظلام، إلى الأصوات، إلى تلك اللحظات التي لم يجد لها تفسيرًا. لم تمضِ لحظات حتى فُتح الباب، ودخل سالم وغسان مسرعين. اقترب سالم وقال بقلق: سعد، كيف حالك الآن؟ حاول سعد أن يعتدل قليلًا، ثم قال بابتسامة باهتة: أنا بخير، والحمد لله… لقد أنقذتم حياتي. كنت أظن أن نهايتي هناك. تنهد غسان، ثم قال بنبرة خفيفة: يبدو أنك كسرت القاعدة. نظر إليه سعد باستغراب: أي قاعدة؟ اقترب غسان خطوة، وخفض صوته: أنت أول من يدخل صحراء الضياع… ويخرج منها سالمًا. عقد سعد حاجبيه: صحراء الضياع؟ تبادل سالم وغسان نظرة سريعة، ثم قال غسان: هكذا يسمّونها. يُقال إن من يدخلها لا يخرج منها أبدًا… وإن خرج، لا يعود كما كان. ساد صمتٌ قصير، لكنه كان كافيًا ليعيد إلى ذهن سعد كل ما حدث. مرّر يده على وجهه، وقال بصوتٍ منخفض: لو بقيت هناك أكثر… لفقدت عقلي فعلًا. اقترب سالم، وسأله بجدية: ماذا حدث معك هناك؟ تنهد سعد، وقال: سأخبركما لاحقًا… الآن الأهم هو هذا الطفل. لا يمكن أن نتركه هكذا. قال غسان: يجب إبلاغ الشرطة. ربما يكون مفقودًا… أو أسوأ من ذلك. أومأ سالم: نعم، هذا هو التصرف الصحيح. وافق سعد، ونهض ببطء، رغم التعب الذي لا يزال يثقل جسده. وبعد إنهاء الإجراءات، غادروا المستشفى متجهين إلى مركز الشرطة. { بعد أسبوع } مرّت الأيام ببطءٍ ظاهر، لكنها كانت تعجّ في داخل سعد بأسئلةٍ لا تهدأ. لم يكن ما حدث في الصحراء مجرد حادثة عابرة… بل شيء يرفض أن يُنسى. وقف سعد أمام مركز الشرطة، ثم دخل بخطواتٍ ثابتة. استقبله الضابط ياسر: وعليكم السلام، أهلًا بك يا سعد. تفضل. دخلا المكتب، وجلسا. قال ياسر بعد لحظة صمت: سعد… لقد بحثنا عن أي معلومات تخص الطفل، لكننا لم نجد شيئًا. تغيّر وجه سعد: كيف ذلك؟ لا يوجد أي بلاغ عن طفل مفقود بهذه المواصفات. لا اسم، لا هوية… لا شيء. توقف قليلًا، ثم أضاف: وكأنه ظهر من العدم. شعر سعد بانقباضٍ في صدره: وماذا سيحدث له؟ قال ياسر بهدوء: سيتم تحويله إلى دار الأيتام، لأنه مجهول الهوية. ساد الصمت. نظر سعد إلى الأرض، وكأن الفكرة لا يقبلها. لا يمكن… قالها بصوتٍ خافت. نظر إليه ياسر، ثم قال: إن كنت مهتمًا به إلى هذه الدرجة… فلماذا لا تتكفل به أنت؟ رفع سعد نظره، وقد تردّد للحظة. لكن الحقيقة كانت واضحة؛ لقد تعلّق بالطفل دون أن يشعر. قال أخيرًا: حسنًا… سأتكفل به. ابتسم ياسر ابتسامة خفيفة: سجّله باسمك رسميًا، وستُحل الإجراءات. أومأ سعد، وغادر… وقد حسم أمره. { في المنزل } فتح سعد الباب، فاستقبلته نجوى، وهي تحمل ابنتهما نجمة. ابتسمت قائلة: أهلًا بعودتك… لكنها توقفت عندما رأت الطفل: من هذا؟ قال سعد: هذا هو الطفل الذي أخبرتكِ عنه. اقتربت منه بدهشة: أهذا هو الذي وجدته في الصحراء؟ نعم… قال واسمه مهاب. رفعت حاجبيها: مهاب؟ قال بهدوء: سيكون ابننا. تفاجأت: ابننا؟ ماذا تقصد؟ جلس، وقال: تعالي، سأخبرك بكل شيء. لكن الطفل بدأ بالبكاء. قال سعد: ما به؟ ابتسمت نجوى: يبدو أنه جائع. حملته بلطف، وهدأته، ثم قالت: الآن أصبح أخًا لنجمة من الرضاعة. ابتسم سعد: وهذا أفضل. ثم أخبرها بكل ما حدث. وفي النهاية قال: أريده أن يعيش معنا… كفردٍ من هذه العائلة. نظرت إليه، ثم إلى الطفل، وقالت بابتسامة: وأنا أيضًا… قد تعلّقت به. { بعد أسبوعين – في المطار } كانت لحظة الوداع ثقيلة، تختلط فيها المشاعر بالصمت. حمل سعد نجمة، بينما حملت نجوى مهاب. نظرات طويلة، وكلمات قليلة… ثم صعدوا إلى الطائرة، متجهين نحو حياةٍ جديدة. { في البلد الجديد } عند خروجهم من المطار، شعروا بالاختلاف فورًا. هواء بارد، وجوه غريبة، وتفاصيل لم يألفوها من قبل. كان كل شيء يوحي ببداية جديدة… صفحة لم تُكتب بعد. وصلوا إلى منزلهم في حيٍ راقٍ. اقترب منهم رجل وقال: مرحبًا، هل أنتم الجيران الجدد؟ أجاب سعد: نعم، أنا سعد. أنا عادل، هذا منزلي بجانبكم. سأطلب من زوجتي مساعدتكم. شكره سعد. وبعد قليل، طُرق الباب. فتحت نجوى، فوجدت امرأتين. أنا نجلاء، وهذه غادة… جئنا لمساعدتك. ابتسمت وقالت: أهلًا وسهلًا، تفضلن. في الخارج، تعرّف سعد على بقية الجيران، وبدأت تفاصيل الحياة الجديدة تتشكل بهدوء. { بعد خمسةٍ وعشرين عامًا… } — وهنا تبدأ الحكاية —