صحراء الضياع - الفصل الثاني - بقلم قلم الفنتازياء | روايتك

اسم الرواية: صحراء الضياع
المؤلف / الكاتب: قلم الفنتازياء
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الثاني

الفصل الثاني

{ في المخيم } ساد الصمت بين سالم وجلال، صمتٌ ثقيل كأن الصحراء نفسها تحبس أنفاسها حولهما. كانت النار الصغيرة أمامهما تتراقص بكسل، تُلقي بظلالٍ مضطربة على وجهيهما، وكأنها تعكس ما في داخلهما من توترٍ مكبوت. لم يكن الصمت مريحًا… بل كان أشبه ببركانٍ ينتظر لحظة الانفجار. وفجأة، اقترب غسان ومعه هزاع، وقد بدا القلق واضحًا على ملامحهما. قال غسان وهو ينظر حوله: "وين سعد؟ ما كان معكم؟" أجاب سالم دون أن ينظر إليه، وصوته مشدود: "راح… وهو معصب. وكل هذا بسبب جلال." رفع جلال رأسه بسرعة، وعيناه تشتعلان: "وش تقصد؟ أنا ما قلت له يروح!" التفت إليه سالم بعنف: "إيه، بس كلامك هو اللي خلاه يروح! من طلب منك تتدخل في حياته؟" نهض جلال فجأة، وأمسك سالم من ياقة قميصه: "أنا ما قلت شيء غلط!" دفعه سالم بقوة وهو يصيح: "أبعد يدك عني يا وغد!" اقترب جلال أكثر، والغضب يعميه: "كنت أنصحه بس!" ضحك سالم بسخرية لاذعة: "تنصح؟! الكل يدري إن لسانك ما له حدود… جرحت الرجال!" وفي لحظة انفجار، هوى جلال بلكمةٍ قوية على وجه سالم، فسقط الأخير على الأرض، وتناثر الرمل من حوله. لكن سالم نهض فورًا، وكأن الألم زاده اشتعالًا، ورد اللكمة بأقوى منها. وخلال ثوانٍ، تحول التوتر إلى عراكٍ عنيف. تدخل غسان وهزاع بسرعة، يحاولان الفصل بينهما. صرخ غسان: "وقفوا! وش فيكم؟!" دفع سالم جلال بعيدًا وهو يلهث: "هذا الغبي هو السبب! ما يعرف يتكلم!" رد جلال بانفعال: "أنا ما غلطت!" صرخ سالم: "غلطت! محد طلب منك تفتح فمك!" تقدم غسان، ووضع يده على كتف سالم: "اهدأ يا سالم… قول لي وش صار." تنفس سالم بحدة، ثم قال: "هذا أغضب سعد بكلامه… وخلاه يمشي." تجمدت ملامح غسان: "مشى؟ وين؟" أشار سالم نحو الصحراء المظلمة: "هناك… وكان معصب مرة." وفي لحظة، تغير وجه غسان تمامًا، وصرخ بحدة: "وش؟! ليه خليتوه يروح هناك؟! أنتم مجانين؟!" نظر إليه سالم باستغراب: "وش فيك؟ ليه مكبر الموضوع؟" لكن غسان لم يجب، بل قال بسرعة: "يلا! لازم نلحقه قبل ما يضيع!" أمسكه سالم: "غسان… فهمنا!" نظر إليهم غسان بجديةٍ مخيفة: "ذاك الاتجاه… يودّي لصحراء الضياع." سكت الجميع للحظة. قال جلال بتردد: "صحراء الضياع؟" أجاب غسان بصوت منخفض: "إيه… يقولون اللي يدخلها… ما يطلع أبد." هزّ سالم رأسه باستخفاف: "خرافات." اقترب منه غسان، وعيناه تلمعان بغضب: "مو وقت نقاش!" تدخل هزاع: "متى طلع؟" "قبل ساعة تقريبًا." قفز هزاع إلى السيارة: "أسرعوا! وشغلوا أجهزة الاتصال!" وخلال دقائق، اشتعلت محركات ثلاث سيارات، وانطلقت تشق ظلام الصحراء… نحو المجهول. { عند سعد } فتح سعد عينيه بصعوبة، وكأن جفونه مثقلةٌ بحجارة. كان رأسه يدور، وأنفاسه متقطعة، وجسده كله يؤلمه. جلس ببطء… ثم تجمد. لا شيء. فقط ظلام… ورمال… وصمتٌ مرعب. اختفت المرأة. كأنها لم تكن موجودة أصلًا. لكن الإحساس بها… ما زال عالقًا في صدره. وفجأة— طَخ! اصطدمت حجره بكتفه. ثم أخرى. ثم أخرى. انتفض واقفًا، وهو ينظر حوله بجنون: "مين؟! مين هناك؟!" لا أحد. لكن الحجارة استمرت… تُقذف نحوه من كل اتجاه، بلا مصدر. بدأ صوته يرتجف وهو يقرأ: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم…" ازدادت الحجارة. تراجع خطوة… ثم أخرى… ثم استدار وركض. ركض بلا اتجاه. بلا وعي. بلا أمل. فقط يهرب. كان صدره يحترق، وأنفاسه تتكسر، والبرد يتسلل إلى أطرافه رغم العرق الذي يغطيه. سقط. نهض. ركض من جديد. حتى شعر أنه ابتعد… أو هكذا ظن. توقف، يلهث، يكاد يسقط. وفجأة… "سعد…" تجمد. رفع رأسه ببطء. "سعد… تعال…" اتسعت عيناه. "نجوى…؟" صوت زوجته. نفس النبرة… نفس الحنان. لكن… هذا مستحيل. تراجع خطوة، وهمس: "لا… لا… مو معقول…" ارتجف صوته وهو يردد: "أعوذ بالله… أعوذ بالله…" فهم الآن. هذا ليس إنسانًا. هذا شيء… يقلده. شيء يريد أن يضله. أغلق أذنيه، ومشى مبتعدًا، يتمتم بالآيات. حتى— قطع الصمت صوت بكاء. بكاء طفل رضيع. توقف. كل جسده تجمد. البكاء كان حقيقيًا… مؤلمًا… يهز القلب. بدأ يقرأ آية الكرسي، صوته يرتعش. لكن البكاء لم يتوقف. بل ازداد. وكأنه… يستنجد. ابتلع خوفه، وتقدم ببطء. خطوة… خطوة… حتى وصل إلى صخرة كبيرة. كان الصوت من خلفها. تردد. ثم دار حولها— وتجمد مكانه. طفل رضيع. ملفوف بقطعة قماش بيضاء، متسخة قليلًا بالرمل. وجهه شاحب… وشفتيه ترتجفان. يبكي… وكأنه يحتضر. لكن— حول عنقه… كانت هناك جوهرة. زرقاء. لامعة… بشكل غير طبيعي. لم تكن مجرد حجر. كانت كأنها… تنبض. بضوءٍ خافت. غريب. شعر سعد بشيءٍ غير مريح وهو ينظر إليها… كأنها تراقبه. أبعد نظره بسرعة، واقترب من الطفل. "يا ساتر… من اللي تركك هنا؟" رفع الطفل بين يديه. كان خفيفًا… بشكل مخيف. "وش جابك لهالمكان…؟" نظر حوله، والصمت يضغط على أذنيه. هذا غير طبيعي. طفل… في وسط هذه الصحراء؟ ومع هذه الجوهرة؟ وقبل أن يستوعب— هبّت رياحٌ فجأة. باردة… وعنيفة. التفت ببطء— وتجمد الدم في عروقه. ناقة. ضخمة. بسنامين. سوداء بالكامل… سوادًا حالكًا يمتص الضوء. كانت تتحرك ببطء… نحوه. والرياح تدور حولها… كأنها تابعة لها. اتسعت عيناه: "وش… هذا…؟" تراجع خطوة. الطفل بكى بصوت أعلى. شعر بالخطر. حقيقي. قاتل. اختبأ خلف الصخور بسرعة، يضم الطفل إلى صدره. لكن البكاء لم يتوقف. بل صار أعلى. أقرب. كأنه… ينادي الشيء. "اسكت… اسكت بالله عليك…" لكن الطفل لم يسكت. والناقة… كانت تقترب. ببطء. بثبات. وكأنها تعرف مكانه. لم يحتمل. نهض فجأة… وركض. يركض وهو يحمل الطفل، والرمال تنزلق تحت قدميه. الرياح تعصف. وصوت البكاء يلاحقه. وقلبه… يكاد ينفجر. لم يلتفت. لم يتوقف. حتى— اختفى الصوت. اختفت الرياح. سقط على ركبتيه. ينهار. يلتقط أنفاسه بصعوبة. نظر إلى الطفل. كان هادئًا الآن. بشكل غريب. كأنه… لم يكن يبكي. نظر إلى الجوهرة مرة أخرى. هذه المرة… لاحظ شيئًا. الضوء داخلها… تحرك. كأنه… استجاب له. ارتجف. وأفلتها بسرعة. "وش سرّك…؟" همسها لنفسه. لكن قبل أن يفكر أكثر— سمع صوت محرك. رفع رأسه بسرعة. أمل. وقف وهو يترنح، وبدأ يصرخ: "هنا! أنا هنا!" { في سيارة غسان } قال غسان فجأة: "وقف! سمعت صوت!" نظر من النافذة، ثم صرخ: "هناك! سعد!" انحرفت السيارة بسرعة نحوه. وعندما وصلوا— كان سعد واقفًا بالكاد. يحمل طفلًا. ووجهه… لا يشبه وجه إنسان خرج سالمًا. نزل غسان بسرعة: "سعد! وش صار لك؟! ومن ذا الطفل؟!" قال سعد بصوت مكسور: "أنا… تعبان… بعدين… بس طلعوني من هنا…" أمسكه غسان وساعده. تمتم هزاع عبر الجهاز: "لقيناه… راجعين." وانطلقت السيارة. لكن سعد… قبل أن يغمض عينيه— نظر إلى الجوهرة. وأقسم… أنه رأى الضوء بداخلها… يومض. يتبع… [ قلم الفنتازياء ]