الفصل الاول
في أطراف صحراءٍ عربيةٍ شاسعة، تمتد الرمال فيها بلا نهاية كبحرٍ ساكنٍ لا يعرف الموج، كانت الليلة مختلفة عن عادتها.
السماء بدت منطفئة تمامًا، بلا قمرٍ ولا نجومٍ واضحة، وكأن الغطاء الأسود فُرض على الأرض فرضًا لا مهرب منه.
حتى الضوء البعيد بدا وكأنه يتردد في الوصول إلى هنا.
أما الريح، فكانت تمر فوق الكثبان ببطء غريب، كأنها تتنفس المكان بدلًا من أن تهب عليه.
صوتها لم يكن مجرد حركة هواء… بل أشبه بأنينٍ قديم يخرج من أعماق الصحراء نفسها.
في هذا الصمت الثقيل، كان عدد من الشباب مجتمعين حول نار صغيرة تتراقص بصعوبة، تلتهم نفسها أكثر مما تُضيء المكان.
وبعيدًا قليلًا عن الدائرة، جلس ثلاثة منهم منفصلين عن البقية، وكأن بينهم وبين العالم كله حاجزًا غير مرئي.
كانوا: سالم، سعد، وجلال.
الصمت بينهم لم يكن عاديًا… كان صمتًا يعرف متى يُكسر ومتى يُترك.
قال سالم وهو يحرك الحصى بقدمه قرب النار:
"سعد… متى ناوي تسافر؟"
رفع سعد نظره قليلًا، ثم قال بهدوء:
"بعد شهر تقريبًا."
ابتسم سالم ابتسامة خفيفة:
"يعني باقي لك هنا شوي… الحمد لله."
جلال كان صامتًا في البداية، يراقب النار فقط.
ثم قال بنبرة عادية في ظاهرها:
"والبنت؟ نجمة كيفها؟"
ابتسم سعد دون وعي، كأن الاسم وحده أعاده لشيء داخلي بعيد:
"بخير… هي كل شيء عندي."
ضحك سالم بخفة:
"واضح إنك ما تحتاج أحد غيرها."
لكن جلال لم يضحك.
ظل ينظر إلى النار، ثم قال فجأة، بنبرة أقل دفئًا:
"سمعت كلام… إنك ما راح تُرزق بغيرها."
توقف الهواء لحظة.
حتى النار بدت وكأنها خفَتت.
رفع سالم رأسه بسرعة:
"جلال! وش هذا الكلام؟"
لكن جلال أكمل وكأنه لم يسمع:
"العائلة تحتاج استمرار… هذا اللي الناس تقوله."
تغير وجه سعد تدريجيًا.
لم يغضب فورًا… بل كأنه لم يفهم أول ثانية، ثم بدأ الفهم يثقل ملامحه.
قال ببطء:
"ومن قال لك إن الناس تفهم كل شيء؟"
جلال رد بهدوء مزعج:
"أنا ما أقول رأيي… أقول اللي ينقال."
سكت لحظة، ثم أضاف:
"نجمة تكفيك… لكن الحياة ما تمشي كذا."
شد سعد على فكه، وصوته انخفض:
"نجمة تكفيني… وخلاص."
جلال رفع عينه:
"لكن هذا مو كافي عند غيرك."
سالم تدخل بسرعة:
"يا جماعة خلاص، الموضوع بسيط، ليش تعقدونه؟"
لكن التوتر كان بدأ يتسلل فعليًا.
سعد وقف فجأة:
"لا تتدخل يا جلال."
جلال لم يتراجع:
"أنا ما أهاجمك… أنا أقول الواقع."
وفجأة انفجر سعد:
"أي واقع هذا؟! واقع الناس اللي تتكلم عن حياتي وكأنها ناقصة؟!"
ثم سكت لحظة، وصوته صار أعلى وأوضح:
"أنا ما راح أتزوج على زوجتي أبدًا… انتهى الموضوع!"
ساد صمت ثقيل.
النار وحدها كانت تتحرك.
لكن العيون بدأت تنظر بعيدًا عنه بدلًا من مواجهته.
ثم، بدون كلمة أخرى، ابتعد سعد عن المخيم.
كانت الرمال تحت قدميه باردة بشكل غريب، رغم حرارة الصحراء.
خطواته في البداية كانت سريعة، غاضبة، وكأن كل خطوة تحاول أن تطرد الكلام الذي سمعه.
لكن كلما ابتعد… بدأ الصوت يعود داخله.
"العائلة تحتاج استمرار…"
هز رأسه بقوة:
"كفاية… كفاية كلام."
أكمل السير، ثم تمتم لنفسه:
"ليش كل مكان نفس الكلام؟ نفس التفكير؟"
ثم سكت.
نظر حوله.
الصحراء كانت هادئة بشكل غير طبيعي.
حتى صوت الريح بدأ يخف.
"أنا بس أمشي شوي وأرجع… أهدأ بس."
خطوة… ثم أخرى.
ثم توقف.
التفت.
النار لم تعد مرئية بوضوح.
الصوت اختفى.
لا ضحك… لا كلام… لا شيء.
فقط صمت.
ضحك بخفة مرتبكة:
"أكيد بس ابتعدت شوي زيادة…"
أكمل السير.
لكن الأرض بدأت تبدو مختلفة.
الرمال متشابهة أكثر من اللازم… لا علامة، لا اتجاه.
توقف مرة أخرى.
نظر حوله ببطء هذه المرة.
"لا… مستحيل."
بدأ قلبه يتغير إيقاعه.
"أنا أعرف الطريق."
خطوة.
ثم أخرى.
لكن كل شيء كان نسخة من نفسه.
رمال… رمال… وظل… وصمت.
رفع صوته قليلًا:
"سالم؟!"
لا أحد.
"جلال؟!"
لا رد.
هنا فقط بدأ الخوف الحقيقي يتسلل.
ليس خوفًا من المكان… بل من الفكرة.
"لا… أنا مو ضايع."
قالها كأنه يقنع نفسه.
ثم التفت بسرعة:
"أنا أعرف الاتجاه… أكيد أعرفه."
بدأ يمشي أسرع.
ثم ركض.
لكن الصحراء لم تتغير.
فقط امتدت أكثر.
أكثر مما يجب.
توقف فجأة وهو يلهث.
نظر خلفه…
لا شيء.
أمامه…
لا شيء.
فقط آثار خطواته بدأت تختفي بسرعة داخل الرمال، كأن الأرض تمحو وجوده.
تراجع خطوة.
ثم أخرى.
وصوته الداخلي بدأ يرتفع:
"لا… لا لا… أنا مو ضايع… أنا بس… بس لازم أركز."
ثم صرخ فجأة:
"سالم!!"
الصوت ابتلعته الصحراء.
لا صدى.
لا رد.
ثم… جاء الصوت.
خفيف جدًا.
كأنه ليس من الخارج.
"سعد…"
تجمد.
"سالم؟"
لا أحد.
ثم الصوت عاد… أقرب.
"سعد…"
بدأ يلتفت بسرعة، أنفاسه تتسارع.
"أنا هنا! اسمعوني!"
لكن لا أحد.
الصحراء لم تعد صحراء.
أصبحت شعورًا… بشيء يراقبك دون أن يظهر.
ثم سكت كل شيء فجأة.
حتى الهواء.
ثم… ظهرت.
في المسافة.
امرأة.
لكنها لم تكن “واقفة” فقط… كانت كأنها جزء من الفراغ نفسه.
ثوب أبيض طويل، لكنه لا يتحرك مع الريح… كأنه لا يتأثر بالعالم.
لم تكن واضحة.
كأن العين ترفض تثبيتها.
اقترب سعد ببطء:
"من… أنتِ؟"
كل خطوة كانت أثقل من السابقة.
وكأن الأرض نفسها لا تريد أن يقترب.
لكن كلما اقترب… بدأ شيء في ملامحها يتضح.
ثم اتضح أكثر… فأكثر…
ثم كانت الصدمة.
وجهها ليس وجهًا طبيعيًا.
كأنه محوَ… ثم أُعيد رسمه بشكل خاطئ.
ملامح محترقة، غير متناسقة، كأنها بقايا شيء فقد شكله منذ زمن.
العينان فارغتان… بيضاوان، بلا حدقة، بلا حياة.
ابتسامة خفيفة… لكنها ليست بشرية، لا تشبه أي تعبير معروف.
شعرها طويل جدًا، رمادي، كأنه مبلل بالغبار والوقت.
وذراعاها أطول من الطبيعي… بشكل يجعل الحركة نفسها غير مفهومة.
تراجع سعد خطوة.
ثم شعر بشيء خلفه.
حاول الالتفات…
لكن جسده لم يستجب.
كأن الهواء أصبح أثقل من أن يتحرك فيه.
سقط على ركبتيه.
التنفس أصبح متقطعًا.
الخوف لم يعد فكرة…
بل أصبح ضغطًا كاملًا داخل صدره.
والمرأة اقتربت.
ببطء.
بهدوء مخيف.
وبابتسامة ثابتة لا تتغير.
وفي لحظة واحدة…
انطفأ كل شيء.
وسقط سعد في العدم.
يتبع…