آخر باب في الممر
رواية: آخر باب في الممر
لم يكن آدم يخاف الظلام.
كان يخاف الأشياء التي تتظاهر بأنها عادية.
كل مساء، عند الساعة التاسعة تمامًا، كان يسمع الخطوات نفسها فوق سقف البيت.
ثلاث خطوات بطيئة… ثم صمت.
في البداية ظنها قططًا، ثم لصًا، ثم جاره العجوز. لكن المشكلة أن بيتهم كان في الطابق الأخير، ولا يوجد فوقهم أي سقف يمكن السير عليه.
ومع ذلك… كانت الخطوات تأتي كل ليلة.
آدم كان في السابعة عشرة، يعيش مع أمه في عمارة قديمة وسط مدينة رمادية لا يعرف الناس فيها أسماء بعضهم. بعد وفاة والده، صار البيت صامتًا بطريقة مزعجة؛ حتى الملاعق حين تسقط كانت تبدو وكأنها تقاطع جنازة.
أمه كانت تتجنب الحديث عن الأب.
وأي سؤال عنه ينتهي بجملة واحدة:
— بعض الأبواب لا يجب فتحها يا آدم.
لكنه لم يفهم يومًا ما الذي تعنيه.
في ليلة شتوية، انقطعت الكهرباء عن الحي كله.
أضاء آدم مصباح هاتفه، وعندها سمع الخطوات فوق السقف من جديد.
ثلاث خطوات.
ثم… صوت سقوط شيء ثقيل.
خرج إلى الممر، وصعد الدرج المؤدي إلى السطح.
كان الباب الحديدي مغلقًا بقفل صدئ، لكن الغريب أن القفل كان دافئًا، كأن أحدهم لمسه قبل لحظات.
فتح الباب.
السطح كان فارغًا… إلا من كرسي قديم في المنتصف.
وعليه جلس رجل.
كان يرتدي معطفًا أسود طويلًا، ويمسك ساعة جيب فضية. لم يرفع رأسه حين قال:
— تأخرتَ كثيرًا يا آدم.
تجمّد الدم في عروقه.
— من أنت؟
ابتسم الرجل دون أن ينظر إليه: — أنا الشخص الذي حاول والدك الهرب منه طوال حياته.
هبّت ريح قوية، وانطفأ ضوء الهاتف.
وعندما عاد الضوء… اختفى الرجل.
لكن الساعة الفضية بقيت فوق الكرسي.
منذ تلك الليلة بدأت الأشياء تتغير.
كلما نام آدم، كان يحلم بممر طويل مليء بالأبواب.
كل باب يحمل رقمًا، وكل باب يخفي ذكرى لا يتذكرها.
باب فيه طفل يبكي داخل غرفة بيضاء.
باب فيه رجل يحفر قبرًا بيديه.
باب فيه أم تصرخ: “لا تفتحه!”
أما آخر باب في الممر… فلم يكن يحمل رقمًا.
فقط اسمًا واحدًا:
آدم
بدأ يفقد الإحساس بالوقت.
أحيانًا يستيقظ ويجد يومين قد مرا.
أحيانًا يرى أشخاصًا في الشارع ينظرون إليه وكأنهم يعرفونه.
وفي أحد الأيام، عاد إلى البيت فوجد أمه تبكي أمام صندوق خشبي قديم.
حين رأته، شحب وجهها.
— من أين أتيت بالساعة؟
— من فوق السطح.
أسقطت الصندوق من يدها.
داخل الصندوق كانت عشرات الصور القديمة… كلها لآدم.
لكن في كل صورة كان يبدو أكبر قليلًا… ثم أصغر… ثم أكبر مجددًا.
وفي آخر صورة، كان واقفًا بجانب الرجل صاحب المعطف الأسود.
خلف الصورة كتب والده جملة واحدة:
“إذا عاد الرجل… فهذا يعني أن الباب فُتح.”
تحت ضغط الخوف، اعترفت الأم بالحقيقة.
قبل سنوات، كان والد آدم يعمل في مشروع سري داخل مستشفى مهجور خارج المدينة.
كان المشروع يتحدث عن شيء مستحيل:
إمكانية تخزين الذكريات البشرية داخل أماكن حقيقية.
لكن التجربة فشلت.
شيء خرج من الممرات تحت المستشفى.
شيء لا يسرق الأرواح… بل يسرق الزمن نفسه.
والد آدم حاول إغلاقه، لكنه اكتشف أن الباب يحتاج “مرساة بشرية” تبقى مرتبطة به للأبد.
وكانت تلك المرساة… آدم.
في الليلة التالية، عاد الحلم.
الممر الطويل.
الأبواب.
لكن هذه المرة، كان آخر باب مفتوحًا قليلًا.
ومن داخله جاء صوت والده:
— لا تدعه يخرج.
اقترب آدم ببطء.
وعندما لمس الباب… رأى الحقيقة كاملة.
هو لم يكن يعيش حياته بشكل طبيعي.
كل هذه السنوات كانت تتكرر.
البيت.
المدرسة.
وفاة الأب.
الخطوات فوق السقف.
حلقة زمنية لا تنتهي.
والرجل صاحب المعطف لم يكن شيطانًا…
بل حارس الباب.
كان ينتظر فقط اللحظة التي يتذكر فيها آدم حقيقته.
استيقظ مذعورًا.
الساعة تشير إلى التاسعة.
ثلاث خطوات فوق السقف.
لكن هذه المرة، لم يصعد آدم.
جلس في غرفته بهدوء.
ثم أخذ الساعة الفضية… وحطمها على الأرض.
فجأة اهتز البيت كله.
الجدران بدأت تتشقق، والممر خارج الغرفة صار أطول… أطول بكثير مما يجب.
الأبواب ظهرت على الجانبين.
والرجل وقف في آخر الممر.
قال بصوت هادئ:
— أخيرًا اخترت.
— هل سينتهي كل شيء؟
— لا شيء ينتهي يا آدم… بعض الأشياء فقط تتوقف عن التكرار.
ثم فتح الرجل الباب الأخير.
اندفع نور أبيض هائل ابتلع الممر، البيت، المدينة… وحتى الذكريات.
في صباح اليوم التالي، استيقظ طفل صغير داخل بيت مختلف.
دخلت أمه مبتسمة:
— استيقظ يا آدم، ستتأخر عن المدرسة.
نظر حوله باستغراب.
لا ممرات طويلة.
لا خطوات فوق السقف.
لا ساعات فضية.
فقط حياة عادية.
وقبل أن يخرج من الغرفة، لمح شيئًا محفورًا أسفل الباب الخشبي:
“بعض الأبواب تتذكرك… حتى لو نسيتها.”